البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة
أخرى حتى فتحها قهرا، ثم قتل كل من فيها و كل من في البلد بكماله خاصة و عامة، ثم قصدوا مدينة مرو مع جنكزخان فقد عسكر بظاهرها نحو من مائتي ألف مقاتل من العرب و غيرهم فاقتتلوا معه قتالا عظيما حتى انكسر المسلمون ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم حصروا البلد خمسة أيام و استنزلوا نائبها خديعة ثم غدروا به و بأهل البلد فقتلوهم و غنموهم و سلبوهم و عاقبوهم بأنواع العذاب، حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبعمائة ألف إنسان، ثم ساروا إلى نيسابور ففعلوا فيها ما فعلوا بأهل مرو، ثم إلى طوس فقتلوا و خربوا مشهد على بن موسى الرضى (سلام اللَّه عليه و على آبائه)، و خربوا تربة الرشيد الخليفة فتركوه خرابا، ثم ساروا إلى غزنة فقاتلهم جلال الدين بن خوارزم شاه فكسرهم ثم عادوا إلى ملكهم جنكزخان لعنه اللَّه و إياهم، و أرسل جنكزخان طائفة أخرى إلى مدينة خوارزم فحاصروها حتى فتحوا البلد قهرا فقتلوا من فيها قتلا ذريعا، و نهبوها و سبوا أهلها و أرسلوا الجسر الّذي يمنع ماء جيحون منها فغرقت دورها و هلك جميع أهلها ثم عادوا إلى جنكزخان و هو مخيم على الطالقان فجهز منهم طائفة إلى غزنة فاقتتل معهم جلال الدين بن خوارزم شاه فكسرهم جلال الدين كسرة عظيمة، و استنقذ منهم خلقا من أسارى المسلمين، ثم كتب إلى جنكزخان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكزخان فتواجها و قد تفرق على جلال الدين بعض جيشه و لم يبق بد من القتال، فاقتتلوا ثلاثة أيام لم يعهد قبلها مثلها من قتالهم، ثم ضعفت أصحاب جلال الدين فذهبوا فركبوا بحر الهند فسارت التتار إلى غزنة فأخذوها بلا كلفة و لا ممانعة، كل هذا أو أكثره وقع في هذه السنة.
و فيها أيضا ترك الأشرف موسى بن العادل لأخيه شهاب الدين غازى ملك خلاط و ميافارقين و بلاد أرمينية و اعتاض عن ذلك بالرها و سروج، و ذلك لاشتغاله عن حفظ تلك النواحي بمساعدة أخيه الكامل و نصرته على الفرنج لعنهم اللَّه تعالى. و في المحرم منها هبت رياح ببغداد و جاءت بروق و سمعت رعود شديدة و سقطت صاعقة بالجانب الغربي على المنارة المجاورة لعون و معين فثلمتها، ثم أصلحت، و غارت الصاعقة في الأرض. و في هذه السنة نصب محراب الحنابلة في الرواق الثالث الغربي من جامع دمشق بعد ممانعة من بعض الناس لهم، و لكن ساعدهم بعض الأمراء في نصبه لهم، و هو الأمير ركن الدين المعظمي، و صلى فيه الشيخ موفق الدين بن قدامة. قلت: ثم رفع في حدود سنة ثلاثين و سبعمائة و عوضوا عنه بالمحراب الغربي عند باب الزيارة، كما عوض الحنفية عن محرابهم الّذي كان في الجانب الغربي من الجامع بالمحراب المجدد لهم شرقى باب الزيارة، حين جدد الحائط الّذي هو فيه في الأيام التنكزية، على يدي ناظر الجامع تقى الدين ابن مراجل أثابه اللَّه تعالى كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. و فيها قتل صاحب سنجار أخاه فملكها مستقلا بها