البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٨ - فتح قلعة الروم
ممالأتهم للفرنج قديما على المسلمين، و كان مقدم العساكر بندار و في صحبته سنقر الأشقر، و أقر سنقر المنصوري الّذي كان نائب حلب فعزله عنها السلطان و ولى مكانه سيف الدين بلبان البطاحى المنصوري، و جماعة آخرون من الأمراء الكبار، فلما أحاطوا بالجبل و لم يبق إلا دمار أهليه حملوا في الليل إلى بندار حملا كثيرا ففتر في قضيتهم، ثم انصرف بالجيوش عنهم و عادوا إلى السلطان، فتلقاهم السلطان و ترجل السلطان إلى الأمير بندار و هو نائبة على مصر، ثم ابن السلعوس نبه السلطان على فعل بندار فلامه و عنفه، فمرض من ذلك مرضا شديدا أشفى به على الموت حتى قيل إنه مات، ثم عوفي فعمل ختمة عظيمة بجامع دمشق حضرها القضاة و الأعيان، و أشغل الجامع نظير ليلة النصف من شعبان، و كان ذلك ليلة العشر الأول من رمضان، و أطلق السلطان أهل الحبوس و ترك بقية الضمان عن أرباب الجهات السلطانية، و تصدق عنه بشيء كثير، و نزل هو عن ضمانات كثيرة كان قد حاف فيها على أربابها، و قد امتدح الشهاب محمود الملك الأشرف خليل على فتحه قلعة الروم بقصيدة هائلة فاضلة أولها:
لك الراية الصفراء يقدمها النصر* * * فمن كيقباد إن رآها و كيخسرو
إذا خفقت في الأفق هدت بنورها* * * هوى الشرك و استعلى الهدى و انجلى الثغر
و إن نشرت مثل الاصائيل في الوغى* * * جلى النقع من لألاء طلعتها البدر
و إن يممت زرق العدي سار تحتها* * * كتائب خضر دوحها البيض و السمر
كان مثار النقع ليل و خفقها* * * بروق و أنت البدر و الفلك الحتر
و فتح أتى في إثر فتح كأنما* * * سماء بدت تترى كواكبها الزهر
فكم فطمت طوعا و كرها معاقلا* * * مضى الدهر عنها و هي عانسة بكر
بذلت لها عزما فلو لا مهابة* * * كساها الحيا جاءتك تسعى و لا مهر
قصدت حمى من قلعة الروم لم يتح* * * لغيرك إذ غرتهم المغل فاغتروا
و والوهم سرا ليخفوا أذاهم* * * و في آخر الأمر استوى السر و الجهر
صرفت إليهم همة لو صرفتها* * * إلى البحر لاستولى على مده الجزر
و ما قلعة الروم التي حزت فتحها* * * و إن عظمت إلا إلى غيرها جسر
طليعة ما يأتى من الفتح بعدها* * * كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجر
فصبحتها بالجيش كالروض بهجة* * * صوارمه أنهاره و القنا الزهر
و أبعدت بل كالبحر و البيض موجه* * * و جرد المذاكي السفن و الخوذ الذر
و أغربت بل كالليل عوج سيوفه* * * أهلته و النبل أنجمه الزهر