البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٠ - فتح قلعة الروم
ثم ابتهل الناس من غير دعاية و استسقاءة فسقوا، ثم عزل الفاروثيّ بعد أيام بالخطيب موفق الدين أبى المعالي محمد بن محمد بن محمد بن عبد المنعم بن حسن المهرانى الحموي، كان خطيب حماة ثم نقل إلى دمشق في هذه السنة، فقام و خطب و تألم الفاروثيّ لذلك و دخل على السلطان و اعتقد أن الوزير عزله من غير علمه، فإذا هو قد شعر لذلك و اعتذر بأنه إنما عزله لضعفه، فذكر له أنه يصلى ليلة النصف مائة ركعة بمائة قل هو اللَّه أحد، فلم يقبلوا و استمروا بالحموي. و هذه دناءة و قلة عقل و عدم إخلاص من الفاروثيّ، و أصاب السلطان في عزله.
و في هذا اليوم قبض السلطان على الأمير سنقر الأشقر و غيره فهرب هو و الأمير حسام الدين لاجين السلحدارى، فنادت عليه المنادية بدمشق: من أحضره فله ألف دينار، و من أخفاه شنق، و ركب السلطان و مماليكه في طلبه، و صلى الخطيب بالناس في الميدان الأخضر، و على الناس كآبة بسبب تفرق الكلمة، و اضطراب الجيش، و اختبط الناس، فلما كان سادس شوال أمسكت العرب سنقر الأشقر فردوه على السلطان فأرسله مقيدا إلى مصر. و في هذا اليوم ولى السلطان نيابة دمشق لعز الدين أيبك الحموي، عوضا عن الشجاعي، و قدم الشجاعي من الروم ثانى يوم عزله فتلقاه الفاروثيّ فقال: قد عزلنا من الخطابة، فقال و نحن من النيابة، فقال الفاروثيّ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فلما بلغ ابن السلعوس تغضب عليه و كان قد عين له القيمرية فترك ذلك، و سافر السلطان عاشر شوال إلى مصر فدخلها في أبهة الملك، و في يوم دخوله أقطع قراسنقر مائة فارس بمصر عوضا عن نيابة حلب، و في هذه السنة اشترى الأمير سيف الدين طغاى الأشقري قيسارية القطن المعروفة بإنشاء الملك المعظم بن العادل من بيت المال، بمرسوم من السلطان، و كان حظيا عنده، و نقل سوق الحريريين تلك المدة إليها، و كان السلطان قد أفرج عن علم الدين الدويدارى بعد رجوعه من قلعة الروم و استحضره إلى دمشق و خلع عليه و استصحبه معه إلى القاهرة، و أقطعه مائة فارس، و ولاه مشد الدواوين مكرها.
و في ذي القعدة استحضر السلطان سنقر الأشقر و طقصوا فعاقبهما فاعترفا بأنهما أرادا قتله، فسألهما عن لاجين فقالا: لم يكن معنا و لا علم له بهذا، فخنقهما و أطلقه بعد ما جعل الوتر في حلقه، و كان قد بقي له مدة لا بدّ أن يبلغها، و قد ملك بعد ذلك كما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
و في ذي الحجة عقد الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين عقده على بنت قاضى القضاة شهاب الدين الخويى بالبادرائية، و كان حافلا. و فيها دخل الأمير سنقر الأعسر على بنت الوزير شمس الدين بن السلعوس على صداق ألف دينار، و عجل لها خمسمائة، و فيها قفز جماعة من التتر نحوا من ثلاثمائة إلى الديار المصرية فأكرموا.