البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٦ - وقعة حمص
البلد، و أوقدت الشموع و فرح الناس. فلما أصبح الناس يوم السبت أقبلت طائفة من المنهزمين منهم بيليك الناصري و الحالق و غيرهم، فأخبروا الناس بما شاهدوه من الهزيمة في أول الأمر، و لم يكونوا شاهدوا بعد ذلك، فبقي الناس في قلق عظيم، و خوف شديد، و تهيأ ناس كثير للهرب، فبينما الناس في ذلك إذ أقبلت البريدية فأخبروا الناس بصورة ما وقع في أول الأمر و آخره، فتراجع الناس و فرحوا فرحا شديدا و للَّه الحمد و المنة.
ثم دخل السلطان إلى دمشق الثاني و العشرين من رجب، و بين يديه الأسارى بأيديهم الرماح عليها شقف رءوس القتلى، و كان يوما مشهودا، و مع السلطان طائفة من أصحاب سنقر الأشقر منهم علم الدين الدويدارى، فنزل السلطان بالقلعة مؤيدا منصورا، و قد كثرت له المحبة و الأدعية و كان سنقر الأشقر ودع السلطان من حمص و رجع إلى صهيون، و أما التتر فإنهم انهزموا في أسوإ حال و أتعسه يتخطفون من كل جانب، و يقتلون من كل فج، حتى وصلوا إلى الفرات فغرق أكثرهم، و نزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم خلقا كثيرا و أسروا آخرين، و الجيوش في آثارهم يطردونهم عن البلاد حتى أراح اللَّه منهم الناس.
و قد استشهد في هذه الوقعة جماعة من سادات الأمراء منهم الأمير الكبير الحاج عز الدين أزدمر جمدار، و هو الّذي جرح ملك التتار يومئذ منكوتمر، فإنه خاطر بنفسه و أوهم أنه مقفز إليه و قلب رمحه حتى وصل إليه فطعنه فجرحه فقتلوه (رحمه اللَّه)، و دفن بالقرب من مشهد خالد.
و خرج السلطان من دمشق قاصدا الديار المصرية يوم الأحد ثانى شعبان و الناس يدعون له، السلطان إلى مصر في ثانى عشر شعبان. و في سلخ شعبان ولى قضاء مصر و القاهرة للقاضي وجيه الدين البهنسي الشافعيّ، و في يوم الأحد سابع رمضان فتحت المدرسة الجوهرية بدمشق في حياة منشئها و واقفها الشيخ نجم الدين محمد بن عباس بن أبى المكارم التميمي الجوهري، و درس بها قاضى الحنفية حسام الدين الرازيّ. و في بكرة يوم السبت التاسع و العشرين من شعبان وقعت مئذنة مدرسة أبى عمر بقاسيون على المسجد العتيق فمات شخص واحد، و سلم اللَّه تعالى بقية الجماعة. و في عاشر رمضان وقع بدمشق ثلج عظيم و برد كثير مع هواء شديد، بحيث إنه ارتفع عن الأرض نحوا من ذراع، و فسدت الخضروات، و تعطل على الناس معايش كثيرة. و في شوال وصل صاحب سنجار إلى دمشق مقفزا من التتار داخلا في طاعة السلطان بأهله و ماله، فتلقاه نائب البلد و أكرمه و سيره إلى مصر معززا مكرما.
و في شوال عقد مجلس بسبب أهل الذمة من الكتاب الذين كانوا قد أسلموا كرها و قد كتب