البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٨ - الشيخ محمد الفقيه اليونينى
جعفر الصادق، قال و إنما قال له هذا عند الموت ليتخرج من قبول الصدقات.
أبو عبد اللَّه بن أبى الحسين اليونينى الحنبلي تقى الدين الفقيه الحنبلي الحافظ المفيد البارع العابد الناسك، ولد سنة ثنتين و سبعين و خمسمائة، و سمع الخشوعي و حنبلا و الكندي و الحافظ عبد الغنى و كان يثنى عليه، و تفقه على الموفق، و لزم الشيخ عبد اللَّه اليونينى فانتفع به، و كان الشيخ عبد اللَّه يثنى عليه و يقدمه و يقتدى به في الفتاوى، و قد لبس الخرقة من شيخ شيخه عبد اللَّه البطائحي، و برع في علم الحديث و حفظ الجمع بين الصحيحين بالفاء و الواو، و حفظ قطعة صالحة من مسند أحمد، و كان يعرف العربية أخذها عن التاج الكندي، و كتب مليحا حسنا، و كان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، و يأخذون عنه الطرق الحسنة، و قد حصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك، توضأ مرة عند الملك الأشرف بالقلعة حال سماع البخاري على الزبيدي، فلما فرع من الوضوء نفض السلطان تخفيفته و بسطها على الأرض ليطأ عليها، و حلف السلطان له إنها طاهرة و لا بد أن يطأ برجليه عليها ففعل ذلك. و قدم الكامل على أخيه الأشرف دمشق فأنزله القلعة و تحول الأشرف لدار السعادة و جعل يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه، فقال الكامل: أحب أن أراه، فأرسل إليه إلى بعلبكّ بطاقة و استحضره فوصل إلى دار السعادة، فنزل الكامل إليه و تحادثا و تذاكرا شيئا من العلم، فجرت مسألة القتل بالمثقل، و جرى ذكر حديث الجارية التي قتلها اليهودي فرض رأسها بين حجرين فأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقتله، فقال الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه في صحيح مسلم «فاعترف»، فقال الكامل أنا اختصرت صحيح مسلم و لم أجد هذا فيه، فأرسل الكامل فأحضر خمس مجلدات اختصاره لمسلم، فأخذ الكامل مجلدا و الأشرف آخر و عماد الدين بن موسك آخر و أخذ الشيخ الفقيه مجلدا فأول ما فتحه وجد الحديث كما قال الشيخ الفقيه، فتعجب الكامل من استحضاره و سرعة كشفه، و أراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبكّ، و قال للكامل: إنه لا يؤثر ببعلبكّ شيئا، فأرسل له الكامل ذهبا كثيرا، قال ولده قطب الدين: كان والدي يقبل بر الملوك و يقول أنا لي في بيت المال أكثر من هذا، و لا يقبل من الأمراء و لا من الوزراء شيئا إلا أن يكون هدية مأكول و نحوه، و يرسل إليهم من ذلك فيقبلونه على سبيل التبرك و الاستشفاء.
و ذكر أنه كثر ماله و أثرى، و صار له سعة من المال كثيرة، و ذكر له أن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين و أعطاه لمحيى الدين بن الجوزي ليأخذ عليه خط الخليفة، فلما شعر والدي بذلك أخذ الكتاب و مزقه و قال: أنا في غنية عن ذلك، قال و كان والدي لا يقبل شيئا من الصدقة و يزعم أنه من ذرية على بن أبى طالب من جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على بن الحسين بن