البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٦ - الملك المظفر قطز بن عبد اللَّه
فيها نصر الإسلام. و لما قدم دمشق في شوال أقام بها العدل و رتب الأمور، و أرسل بيبرس خلف التتار ليخرجهم و يطردهم عن حلب، و وعده بنيابتها فلم يف له لما رآه من المصلحة، فوقعت الوحشة بينهما بسبب ذلك، فلما عاد إلى مصر تمالأ عليه الأمراء مع بيبرس فقتلوه بين القرابى و الصالحية و دفن بالقصر، و كان قبره يزار، فلما تمكن الظاهر من الملك بعث إلى قبره فغيبه عن الناس، و كان لا يعرف بعد ذلك، قتل يوم السبت سادس عشر من ذي القعدة (رحمه اللَّه).
و حكى الشيخ قطب الدين اليونينى في الذيل على المرآة عن الشيخ علاء الدين بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع الناصر بوطاه برزة جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر، فقرأت ذلك على السلطان، فقال:
أذهب إلى فلان و فلان فأخبرهم بهذا، قال فلما خرجت عنه لقيني بعض الأجناد فقال لي جاءكم الخبر من مصر بأن قطز قد تملك؟ فقلت: ما عندي من هذا علم و ما يدريك أنت بهذا؟ فقال بلى و اللَّه سيلي المملكة و يكسر التتار، فقلت من أين تعلم هذا؟ فقال: كنت أخدمه و هو صغير و كان عليه قمل كثير فكنت أفليه و أهينه و أذمه، فقال لي يوما: ويلك أيش تريد أعطيك إذا ملكت الديار المصرية؟
فقلت له أنت مجنون؟ فقال لقد رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام و قال لي أنت تملك الديار المصرية و تكسر التتار، و قول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حق لا شك فيه، فقلت له حينئذ- و كان صادقا- أريد منك إمرة خمسين فارسا، فقال نعم أبشر. قال ابن الأثير: فلما قال لي هذا قلت له هذه كتب المصريين بأنه قد تولى السلطنة، فقال و اللَّه ليكسرن التتار، و كان كذلك، و لما رجع الناصر إلى ناحية الديار المصرية و أراد دخولها و رجع عنها و دخلها أكثر الجيوش الشامية كان هذا الأمير الحاكي في جملة من دخلها، فأعطاه المظفر إمرة خمسين فارسا، و وفى له بالوعد، و هو الأمير جمال الدين التركماني. قال ابن الأثير: فلقيني بمصر بعد أن تأمر فذكرني بما كان أخبرنى عن المظفر، فذكرته ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك فكسرهم و طردهم عن البلاد، و قد روى عنه أنه لما رأى عصائب التتار قال للأمراء و الجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس و تفيء الظلال و تهب الرياح، و يدعوا لنا الخطباء و الناس في صلاتهم، (رحمه اللَّه تعالى).
و فيها هلك كتبغانوين نائب هولاكو على بلاد الشام لعنه اللَّه، و معنى نوين يعنى أمير عشرة آلاف، و كان هذا الخبيث قد فتح لأستاذه هولاكو من أقصى بلاد العجم إلى الشام، و قد أدرك جنكيزخان جد هولاكو، و كان كتبغا هذا يعتمد في حروبه للمسلمين أشياء لم يسبقه أحد إليها، كان إذا فتح بلدا ساق مقاتلة هذا البلد إلى البلد الآخر الّذي يليه، و يطلب من أهل ذلك البلد أن يؤووا هؤلاء إليهم، فان فعلوا حصل مقصوده في تضييق الأطعمة و الأشربة عليهم، فتقصر مدة الحصار