البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٩ - جنكيزخان
أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، و من وجد هاربا و لم يرده قتل، و من أطعم أسيرا أو رمى إلى أحد شيئا من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده، و من أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أولا و لو كان المطعوم أميرا لا أسيرا، و من أكل و لم يطعم من عنده قتل، و من ذبح حيوانا ذبح مثله بل يشق جوفه و يتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولا. و في ذلك كله مخالفة لشرائع اللَّه المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد اللَّه خاتم الأنبياء و تحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا و قدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال اللَّه تعالى أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ و قال تعالى فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً صدق اللَّه العظيم.
و من آدابهم: الطاعة للسلطان غاية الاستطاعة، و أن يعرضوا عليه أبكارهم الحسان ليختار لنفسه و من شاء من حاشيته ما شاء منهنّ، و من شأنهم أن يخاطبوا الملك باسمه، و من مر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان و لا يتخطى موقد النار و لا طبق الطعام، و لا يقف على أسكفة الخركاه و لا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخها، و لا يكلفون العلماء من كل ما ذكر شيئا من الجنايات، و لا يتعرضون لمال ميت، و قد ذكر علاء الدين الجويني طرفا كبيرا من أخبار جنكيزخان و مكارم كان يفعلها لسجيته و ما أداه إليه عقله و إن كان مشركا باللَّه كان يعبد معه غيره، و قد قتل من الخلائق ما لا يعلم عددهم إلا الّذي خلقهم، و لكن كان البداءة من خوارزم شاه، فإنه لما أرسل جنكيزخان نجارا من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده فانتهوا إلى إيران فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، و هو والد زوجة كشلى خان، و أخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيزخان إلى خوارزم شاه يستعلمه هل وقع هذا الأمر عن رضى منه أو أنه لا يعلم به، فأنكره و قال له فيما أرسل إليه: من المعهود من الملوك أن التجار لا يقتلون لأنهم عمارة الأقاليم، و هم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف و الأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك فقتلهم نائبك، فان كان أمرا أمرت به طلبنا بدمائهم، و إلا فأنت تنكره و تقتص من نائبك. فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيزخان لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عنقه فأساء التدبير، و قد كان خرق و كبرت سنه،
و قد ورد الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم»
فلما بلغ ذلك جنكيزخان تجهز لقتاله و أخذ بلاده، فكان بقدر اللَّه تعالى ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب منها و لا أشنع، فمما ذكره الجويني أنه قدم له بعض الفلاحين بالصيد ثلاث بطيخات فلم يتفق أن عند جنكيزخان أحد من الخزندارية، فقال لزوجته خاتون أعطيه هذين القرطين اللذين في أذنيك، و كان فيهما جوهرتان نفيستان جدا، فشحت المرأة بهما