البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٠ - جنكيزخان
و قالت: أنظره إلى غد، فقال إنه يبيت هذه الليلة مقلقل الخاطر، و ربما لا يجعل له شيء بعد هذا، و إن هذين لا يمكن أحد إذا اشتراهما إلا جاء بهما إليك. فانتزعتهما فدفعتهما إلى الفلاح فطار عقله بهما و ذهب بهما فباعهما لأحد التجار بألف دينار، و لم يعرف قيمتهما، فحملهما التاجر إلى الملك فردهما على زوجته، ثم أنشد الجويني عند ذلك:
و من قال إن البحر و القطر أشبها* * * نداه فقد أثنى على البحر و القطر
قالوا: و اجتاز يوما في سوق فرأى عند بقال عنّابا فأعجبه لونه و مالت نفسه إليه فأمر الحاجب أن يشترى منه ببالس، فاشترى الحاجب بربع بالس، فلما وضعه بين يديه أعجبه و قال: هذا كله ببالس؟
قال و بقي منه هذا- و أشار إلى ما بقي معه من المال- فغضب و قال: من يجد من يشترى منه مثلي تمموا له عشرة بوالس. قالوا: و أهدى له رجل جام زجاج من معمول حلب فاستحسنه جنكيزخان فوهن أمره عنده بعض خواصه و قال: خوند هذا زجاج لا قيمة له، فقال: أ ليس قد حمله من بلاد بعيدة حتى وصل إلينا سالما؟ أعطوه مائتي بالس. قال: و قيل له إن في هذا المكان كنزا عظيما إن فتحته أخذت منه مالا جزيلا، فقال الّذي في أيدينا يكفينا، و دع هذا يفتحه الناس و يأكلونه فهم أحق به منا، و لم يتعرض له [١] قال و اشتهر عن رجل في بلاده يقول أنا أعرف موضع كنز و لا أقول إلا للقان، و ألح عليه الأمراء أن يعلمهم فلم يفعل، فذكروا ذلك للقان فأحضره على خيل الأولاق- يعنى البريد- سريعا فلما حضر إلى بين يديه سأله عن الكنز فقال: إنما كنت أقول ذلك حيلة لأرى وجهك.
فلما رأى تغير كلامه غضب و قال له: قد حصل لك ما قلت، و رده إلى موضعه سالما و لم يعطه شيئا.
قال: و أهدى له إنسان رمانة فكسرها و فرق حبها على الحاضرين و أمر له بعدد حبها بوالس ثم أنشد:
فلذاك تزدحم الوفود ببابه* * * مثل ازدحام الحب في الرمان
قال: و قدم عليه رجل كافر يقول رأيت في النوم جنكيزخان يقول قل لأبي يقتل المسلمين، فقال له هذا كذب، و أمر بقتله [٢]. قال و أمر بقتل ثلاثة قد قضت الياسا بقتلهم، فإذا امرأة تبكى
[١] وجد بهامش التركية ما نصه: «هذا منقول عن ابنه قان الّذي قام مقامه، و لعله هو الصحيح لأن قان هذا المنسوب إلى الكرم الجبليّ العظيم و السخاء المفرط، و يحكى عنه حكايات عظيمة في هذا الشأن. و أما أبوه جنكيزخان فأنه متوسط في الجود بل و في سائر سجاياه و أخلاقه و أفعاله إلا في أمر سفك الدماء قبحه اللَّه تعالى.
[٢] فيه تخليط و الصحيح أن أعرابيا جاء إلى قان و قال له:
رأيت في النوم أباك جنكيزخان فقال لي: قل لابني قان يقتل المسلمين، و كان قان يميل إلى المسلمين، مخالفا لأهل بيته، فسأل الرجل: هل تعرف اللغة المغولية؟ فقال: لا. فقال الملك له: أنت كاذب لأن أبى ما كان يعرف من اللغات و درس غير المغولية، فأمر بضرب عنقه و أراح المسلمين من كيده.