البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٨ - جنكيزخان
ببغداد علاء الدين الجويني في ترجمته فذكر فيه سيرته، و ما كان يشتمل عليه من العقل السياسي و الكرم و الشجاعة و التدبير الجيد للملك و الرعايا، و الحروب، فذكر أنه كان في ابتداء أمره خصيصا عند الملك أزبك خان، و كان إذا ذاك شابا حسنا و كان اسمه أولا تمرجى، ثم لما عظم سمى نفسه جنكيزخان، و كان هذا الملك قد قربه و أدناه، فحسده عظماء الملك و وشوا به إليه حتى أخرجوه عليه، و لم يقتله و لم يجد له طريقا في ذنب يتسلط عليه به، فهو في ذلك إذ تغضب الملك على مملوكين صغيرين فهربا منه و لجئا إلى جنكيزخان فأكرمهما و أحسن إليهما فأخبراه بما يضمره الملك أزبك خان من قتله، فأخذ حذره و تحيز بدولة و اتبعه طوائف من التتار و صار كثير من أصحاب أزبك خان ينفرون إليه و يفدون عليه فيكرمهم و يعطيهم حتى قويت شوكته و كثرت جنوده، ثم حارب بعد ذلك أزبك خان فظفر به و قتله و استحوذ على مملكته و ملكه، و انضاف إليه عدده و عدده، و عظم أمره و بعد صيته و خضعت له قبائل الترك ببلاد طمعاج كلها حتى صار يركب في نحو ثمانمائة ألف مقاتل، و أكثر القبائل قبيلته التي هو منها يقال لهم قيان، ثم أقرب القبائل إليه بعدهم قبيلتان كبيرتا العدد و هما أزان و قنقوران و كان يصطاد من السنة ثلاثة أشهر و الباقي للحرب و الحكم. قال الجويني:
و كان يضرب الحلقة يكون ما بين طرفيها ثلاثة أشهر ثم تتضايق فيجتمع فيها من أنواع الحيوانات شيء كثير لا يحد كثرة، ثم نشبت الحرب بينه و بين الملك علاء الدين خوارزم شاه صاحب بلاد خراسان و العراق و أذربيجان و غير ذلك و الأقاليم و الملك، فقهره جنكيزخان و كسره و غلبه و سلبه، و استحوذ على سائر بلاده بنفسه و بأولاده في أيسر مدة كما ذكرنا ذلك في الحوادث، و كان ابتداء ملك جنكزخان سنة تسع و تسعين و خمسمائة، و كان قتاله لخوارزم شاه في حدود سنة ست عشرة و ستمائة، و مات خوارزم شاه في سنة سبع عشرة كما ذكرنا، فاستحوذ حينئذ على الممالك بلا منازع و لا ممانع، و كانت وفاته في سنة أربع و عشرين و ستمائة فجعلوه في تابوت من حديد و ربطوه بسلاسل و علقوه بين جبلين هنالك و أما كتابه الياسا فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ، و يحمل على بعير عندهم، و قد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلا ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مرارا حتى يعيى و يقع مغشيا عليه، و يأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ، فان كان هذا هكذا فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها. و ذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلا يقول له إنا قد ملكنا جنكيزخان و ذريته وجه الأرض قال الجويني فمشايخ المغول يصدقون بهذا و يأخذونه مسلما.
ثم ذكر الجويني نتفا من الياسا من ذلك: أنه من زنا قتل، محصنا كان أو غير محصن، و كذلك من لاط قتل، و من تعمد الكذب قتل، و من سحر قتل، و من تجسس قتل، و من دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، و من بال في الماء الواقف قتل، و من انغمس فيه قتل، و من أطعم أسيرا