البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - ثم دخلت سنة سبع و تسعين و خمسمائة
و اتفق باليمن في هذه السنة كائنة غريبة جدا، و هي أن رجلا يقال له عبد اللَّه بن حمزة العلويّ كان قد تغلب على كثير من بلاد اليمن، و جمع نحوا من اثنى عشر ألف فارس، و من الرجالة جمعا كثيرا، و خافه ملك اليمن إسماعيل بن طغتكين بن أيوب، و غلب على ظنه زوال ملكه على يدي هذا الرجل، و أيقن بالهلكة لضعفه عن مقاومته، و اختلاف أمرائه معه في المشورة، فأرسل اللَّه صاعقة فنزلت عليهم فلم يبق منهم أحد سوى طائفة من الخيالة و الرجالة، فاختلف جيشه فيما بينهم فغشيهم المعز فقتل منهم ستة آلاف، و استقر في ملكه آمنا.
و فيها تكاتب الاخوان الأفضل من صرخد و الظاهر من حلب على أن يجتمعا على حصار دمشق و ينزعاها من المعظم بن العادل، و تكون للأفضل، ثم يسيرا إلى مصر فيأخذاها من العادل و ابنه الكامل اللذين نقضا العهد و أبطلا خطبة المنصور، و نكثا المواثيق، فإذا أخذا مصر كانت للأفضل و تصير دمشق مضافة إلى الظاهر مع حلب، فلما بلغ العادل ما تمالئا عليه أرسل جيشا مددا لابنه المعظم عيسى إلى دمشق، فوصلوا إليها قبل وصول الظاهر و أخيه إليها، و كان وصولهما إليها في ذي القعدة من ناحية بعلبكّ، فنزلا على مسجد القدم و اشتد الحصار للبلد، و تسلق كثير من الجيش من ناحية خان القدم، و لم يبق إلا فتح البلد، لو لا هجوم الليل، ثم إن الظاهر بدا له في كون دمشق للأفضل فرأى أن تكون له أولا، ثم إذا فتحت مصر تسلمها الأفضل، فأرسل إليه في ذلك فلم يقبل الأفضل، فاختلفا و تفرقت كلمتهما، و تنازعا الملك بدمشق، فتفرقت الأمراء عنهما، و كوتب العادل في الصلح فأرسل يجيب إلى ما سألا و زاد في إقطاعهما شيئا من بلاد الجزيرة، و بعض معاملة المعرة. و تفرقت العساكر عن دمشق في محرم سنة ثمان و تسعين، و سار كل منهما إلى ما تسلم من البلاد التي أقطعها، و جرت خطوب يطول شرحها، و قد كان الظاهر و أخوه كتبا إلى صاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابكي أن يحاصر مدن الجزيرة التي مع عمهما العادل، فركب في جيشه و أرسل إلى ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، و اجتمع معهما صاحب ماردين الّذي كان العادل قد حاصره و ضيق عليه مدة طويلة، فقصدت العساكر حران، و بها الفائز بن العادل، فحاصروه مدة، ثم لما بلغهم وقوع الصلح عدلوا إلى المصالحة، و ذلك بعد طلب الفائز ذلك منهم، و تمهدت الأمور و استقرت على ما كانت عليه.
و فيها ملك غياث الدين و أخوه شهاب الدين الغوريان جميع ما كان يملك خوارزم شاه من البلدان و الحواصل و الأموال، و جرت لهم خطوب طويلة جدا. و فيها كانت زلزلة عظيمة ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة و بلاد الروم و العراق، و كان جمهورها و عظمها بالشام تهدمت منها دور كثيرة، و تخربت محال كثيرة، و خسف بقرية من أرض بصرى، و أما سواحل الشام و غيرها فهلك فيها شيء