البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢١ - السلطان الملك المعظم
و تلطم. فقال: ما هذه؟ أحضروها، فقالت: هذا ابني، و هذا أخى، و هذا زوجي، فقال اختاري واحدا منهم حتى أطلقه لك، فقالت: الزوج يجيء مثله، و الابن كذلك، و الأخ لا عوض له، فاستحسن ذلك منها و أطلق الثلاثة لها. قال: و كان يحب المصارعين و أهل الشطارة، و قد اجتمع عنده منهم جماعة، فذكر له إنسان بخراسان فأحضره فصرع جميع من عنده، فأكرمه و أعطاه و أطلق له بنتا من بنات الملوك حسناء. فمكثت عنده مدة لا يتعرض لها، فاتفق مجيئها إلى الاردوا فجعل السلطان يمازحها و يقول: كيف رأيت المستعرب؟ فذكرت له أنه لم يقربها، فتعجب من ذلك و أحضره فسأله عن ذلك فقال: يا خوند أنا إنما حظيت عندك بالشطارة و متى قربتها نقصت منزلتي عندك، فقال لا بأس عليك و أحضر ابن عم له و كان مثله، فأراد أن يصارع الأول فقال السلطان: أنتما قرابة و لا يليق هذا بينكما و أمر له بمال جزيل.
قال: و لما احتضر أوصى أولاده بالاتفاق و عدم الافتراق، و ضرب لهم في ذلك الأمثال، و أحضر بين يديه نشابا و أخذ سهما أعطاه لواحد منهم فكسره، ثم أحضر حزمة و دفعها إليهم مجموعة فلم يطيقوا كسرها، فقال: هذا مثلكم إذا اجتمعتم و اتفقتم، و ذلك مثلكم إذا انفردتم و اختلفتم، قال: و كان له عدة أولاد ذكور و إناث منهم أربعة هم عظماء أولاده أكبرهم يوسى و هريول و باتو و بركة و تركجار، و كان كل منهم له وظيفة عنده. ثم تكلم الجويني على ملك ذريته إلى زمان هولاكوخان، و هو يقول في اسمه ياذشاه زاره هولاكو، و ذكر ما وقع في زمانه من الأوابد و الأمور المعروفة المزعجة كما بسطناه في الحوادث و اللَّه أعلم.
السلطان الملك المعظم
عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب، ملك دمشق و الشام، كانت وفاته يوم الجمعة سلخ ذي القعدة من هذه السنة، و كان استقلاله بملك دمشق لما توفى أبوه سنة خمس عشرة، و كان شجاعا باسلا عالما فاضلا، اشتغل في الفقه على مذهب أبى حنيفة على الحصيري مدرس النورية [١]، و في اللغة و النحو على التاج الكندي، و كان محفوظه مفصل الزمخشريّ، و كان يجيز من حفظه بثلاثين دينارا و كان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة يشمل صحاح الجوهري و الجمهرة لابن دريد و التهذيب للأزهري و غير ذلك، و أمر أن يرتب له مسند الامام أحمد، و كان يحب العلماء و يكرمهم، و يجتهد في متابعة الخير و يقول أنا على عقيدة الطحاوي، و أوصى عند وفاته أن لا يكفن إلا في البياض، و أن يلحد له و يدفن في الصحراء و لا يبنى عليه، و كان يقول: واقعة دمياط أدخرها عند اللَّه تعالى و أرجو أن يرحمني بها- يعنى أنه أبلى بها بلاء حسنا- (رحمه اللَّه تعالى)، و قد جمع له بين الشجاعة و البراعة و العلم و محبة أهله، و كان يجيء في كل جمعة إلى تربة والده فيجلس قليلا ثم إذا ذكر المؤذنون ينطلق إلى تربة عمه صلاح الدين
[١] و هو مؤلف كتاب «السهم المصيب في الرد على الخطيب» فيما ذكره في تاريخ بغداد في ترجمة الامام أبى حنيفة (رحمه اللَّه).