جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٩ - لو نوى فعل المنافي
................
-
لها لم تبطل إلّا معه على الأقوى كما في المبسوط و الشرائع و التحرير و المنتهى» ( [١]) و ظاهره حمل ما في المتن و غيره ممّا وافقه على ما إذا لم يكن متذكّراً للمنافاة. و فيه: أنّه لا إشكال في الصحة حينئذٍ؛ لوجود المقتضي بلا معارض، فلا يناسبه التعبير بالأقوى و نحوه. و كأنّ الذي ألجأه إلى ذلك دعوى وضوح ما ذكره من أنّه إن كان متذكّراً لم ينفكّ عن قصد الخروج الذي قال الفاضل و غيره فيه بالبطلان. و إليه يرجع ما في جامع المقاصد: معترضاً به على من فرّق بين المسألتين من أنّ «الفرق بين المسألتين غير ظاهر؛ لأنّ الخروج من الصلاة من جمله المنافيات، و نيّته كنيّة غيره من المنافيات» ثمّ قال: «فإن قلت: المنافي سبب في الخروج من الصلاة لا عينه، فافترقا. قلت: هذا الفرق غير مؤثّر؛ فإنّ البطلان منوط بوجود المنافي و عدم بقاء الصلاة مع واحد منهما قدر مشترك بينهما، فإن كانت نيّة أحدهما منافية فنيّة الآخر كذلك» ( [٢]). بل إليه يرجع المعروف في الاستدلال عليه بتنافي إرادتي الضدّين، حتى أنّ بعضهم ( [٣]) جعل منشأ إشكال الفاضل في الصحة الإشكال في تنافي الإرادتين. و على كلّ حال فقد ضعّفه في المدارك بأنّ «تنافي الإرادتين- بعد تسليمه- إنّما يلزم منه بطلان الاولى بعروض الثانية، لا بطلان الصلاة مع تجدّد النية الذي هو موضع النزاع» ( [٤]). و هو جيّد، إلّا أنّه- كما ترى- قاضٍ باختصاص محلّ النزاع في ذلك الذي مقتضى الإطلاق خلافه. نعم في جامع المقاصد: «ينبغي أن يكون موضع الإشكال ما إذا اجتمعت هذه النيّة مع نيّة الصلاة، فلو حصلت بعد عزوب نيّة الصلاة فالمناسب القطع بالبطلان؛ لانتفاء نيّة اخرى لتكون مكافئة، و استدامة النيّة ضعيفة؛ لأنّها أمر حكمي عدمي. و الأصحّ البطلان؛ لعدم بقاء الجزم بالنيّة مع ذلك التقييد ( [٥])، و من ثمّ لو شرع في الصلاة بهذا القصد لم تصح، و الجزم بالنيّة معتبرٌ إلى آخر الصلاة، و إلحاق الصلاة بالحج في عدم البطلان بنيّة المنافي قياس من غير جامع» ( [٢]).
قلت: التحقيق عدم تنافي إرادتي الضدين، و امتناع اجتماعهما في الخارج لا يستلزم تنافيهما قطعاً:
١- لعدم الاستحالة في إرادة المحال.
٢- على أنّ تنافيهما إن سلّم فليس لذاته بل للصارف، و يمكن أن لا يكون موجوداً لكلٍّ منهما. كما أنّ التحقيق أيضاً عدم لزوم ذلك لقصد الخروج الذي هو إنشاء قطع الصلاة و رفع اليد عنها. فمن الغريب ما سمعته من جامع المقاصد من أنّ الخروج كباقي المنافيات فنيّته كنيّتها؛ ضرورة وضوح الفرق بين نيّة الخروج بالمنافي من حيث منافاته و بين إنشاء الخروج و القطع الذي هو المراد من نيّة الخروج، لا أنّه نوى الخروج كنيّة فعل المنافي، كما هو واضح بأدنى تأمّل.
كلّ هذا مع التنزّل، و إلّا فقد عرفت عدم البطلان بنية الخروج فضلًا عمّا يستلزمها، كما أنّك عرفت ممّا سبق عدم الفرق في نيّة المنافي بين ابتداء الصلاة و بين الأثناء في ذلك، و لعلّه عند التأمّل كاحتمال المنافي في الأثناء الذي لا يمنع النيّة عند التأمّل. و عدم بطلان الحج بنيّة المنافي ليس لدليل يقضي بصحّته بلا نيّة، بل لأنّه غير منافٍ لها، فلا فرق حينئذٍ بينه و بين الصلاة، و الجزم بالنيّة شيء و السلامة من العوارض شيء آخر.
و من ذلك كلّه ظهر لك أنّ ما في جامع المقاصد: «ينبغي ... إلى آخره» لا يخلو من نظر، فتأمّل جيّداً، و اللّٰه أعلم.
[١] كشف اللثام ٣: ٤١٠- ٤١١.
[٢] جامع المقاصد ٢: ٢٢٦.
[٣] الإيضاح ١: ١٠٣.
[٤] جامع المقاصد ٣: ٣١٥.
[٥] في المصدر: «القصد».