جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤٥ - الثامن من أفعال الصلاة التسليم في الصلاة
(و لا يخرج من الصلاة إلّا به) [١].
-
(١) و لعلّ الذي ألجأه [/ أبا حنيفة] إلى التخيير المزبور بعد القياس، أنّه راعى التناسب بين أفراد ما ابتدعه من الصلاة و بين المحلّل لها؛ إذ منها عنده- بعد الوضوء بنبيذ التمر المغصوب منكوساً عكس الكتاب العزيز- الصلاة في الدار المغصوبة على جلد كلب لابساً لجلد كلب و بيده قطعة من لحم كلب و عليه نجاسة ثمّ يكبّر بالفارسيّة، و يقرأ كذلك «مُدهامّتان» ثمّ يطأطئ رأسه حدّاً يسيراً غير ذاكر و لا مطمئنّ، ثمّ يهوي إلى السجود من غير رفع، ثمّ يحفر حفيرة لينزل جبهته أو أنفه فيها من غير ذكر و لا طمأنينة و لا رفع بينهما، ثمّ يقعد من غير تشهّد. و هذه لا يناسبها إلّا التحليل بضرطة قطعاً، و حقّ للآمر بها أن يأمر بهذا المحلّل لها.
و كيف كان فقد ظهر أنّه متى وجب الخروج من الصلاة وجب التسليم بعد فرض عدم المخرج عندنا غيره؛ إذ المراد بوجوب الخروج فعل شيء يترتّب عليه الخروج، و إلّا لم يكن لهذا الوجوب معنى محصّل، كما هو واضح بأدنى تأمّل. ٤- و أمّا السنّة فالفعل منها من النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمّة عليهم الصلاة و السلام ممّا لا ينبغي إنكاره فضلًا عن فعل الصحابة و التابعين و تابعي التابعين و كلّ من دخل في هذا الدين.
و عن عوالي اللآلي: «في الأحاديث الصحيحة: أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يقول التسليم المخرج من الصلاة عقيب كلّ صلاته و كان يواظب عليه، و كذا الأئمّة (عليهم السلام)» ( [١]).
و لقد أجاد في الذكرى بقوله تارة: «تواتر النقل عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و أهل بيته (عليهم السلام) بقول: «السلام عليكم» من غير بيان ندبيّته، مع أنّه امتثال للأمر الواجب» و اخرى: «حتى أنّ قول سلف الامّة: السلام عليكم عقيب الصلاة داخل في ضروريّات الدين» ( [٢]).
قلت: لو أغضينا عن دليل التأسّي- و خصوص قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» ( [٣])، و عن عموم ما دلّ ( [٤]) على وجوب الطاعة و الانقياد، و عن أصالة الوجوب في كلّ ما يصدر بياناً للواجب مع عدم اقترانه بما يقتضي الندب- لأمكن استفادة الوجوب من مجرّد الالتزام بذلك على وجه لم يعلم مثله في غيره من المندوبات، خصوصاً و لم يرد فيه ما يقتضي عظم الثواب و شدّة الترغيب فيه، كما ورد في باقي المستحبّات التي مع ذلك لم يحافظ عليها الخواصّ- فضلًا عن السواد- بعض هذه المحافظة.
و كيف يسوغ لصاحب الشرع عدم التصريح بالندب و الإعلان به مع علمه بفعل جميع أتباعه له بعنوان الوجوب؟! و خصوصاً إذا قلنا بفساد الصلاة مع ذلك.
بل يظهر منه من الملازمة عليه و الأمر به ما يغريهم به و يوقعهم بالجهل فيه، حاش لمتديّن يتوهّم ذلك، بل ليس هذا إلّا من التقرير المعلوم حجّيته مع قطع النظر عن التأسّي بفعله، بل إن لم يكن هذا تقريراً فلا تقرير يمكن أن يستفاد حكم منه.
كما أنّه إن لم يحصل من هذه السيرة- المستمرّة في سائر الأعصار و الأمصار من الخواصّ و السواد، و سكوت العلماء عن النكير على اعتقاد الوجوب من الصلاة، مع أنّه تدور عليه أحكام عديدة، منها أحوال السهو و الشكّ و فعل المنافيات و غيرها ممّا لا يمكن حصره و عدّه لا ينبغي الالتفات بعد إلى سيرة أو إجماع أو ضرورة.
و أمّا القول: فمنه نصوص التحليل:
[١] عوالي اللآلي ٣: ٩٣، ح ١٠٣.
[٢] الذكرى ٣: ٤٣٢.
[٣] عوالي اللآلي ١: ١٩٨، ح ٨.
[٤] الأنفال: ٢٠.