جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٩ - المراد بالترتيل
[المراد بالترتيل
]: و المراد بالترتيل: الترسّل و التأنّي بالقراءة بسبب المحافظة على كمال بيان الحروف و الحركات، فيحسن تأليفه حينئذٍ و تنضيده، و يكون كالثغر المرتّل الذي حسن نضده بسبب ما فيه من الفلج حتى شبّه بِنورِ الاقحوان ( [١])، بخلاف غير المرتّل من الكلام الذي يشبه في تتابعه الثغر الألصّ ( [٢]) أو الشِّعر الذي يُهذّ و يُسرع في تأديته، أو الرمل المنثور الذي بعضه على بعض، كالدقل من التمر المتراكم قبل سقوطه أو بعده إذا تساقط متتابعاً [١].
-
(١) و إليه أومأ خبر عبد اللّه بن سليمان أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن قوله عزّ و جل: (وَ رَتِّلِ القُرآنَ تَرتِيلا) ( [٣]) فقال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بيّنه تبياناً، و لا تهذّه هذّ الشعر، و لا تنثره نثر الرمل، و لكن اقرعوا به قلوبكم القاسية، و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة» ( [٤]).
٢- و عن دعائم الإسلام عنه (عليه السلام): «و لا تنثره نثر الدقل، و لا تهذّه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، و حرّكوا به القلوب، و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة» ( [٥]).
٣- و عن ابن الأثير: «هذّاً كهذّ الشعر و نثراً كنثر الدقل: أراد لا تسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر، و الهذّ سرعة القطع، و الدقل رديّ التمر، أي كما يتساقط الرطب اليابس من العذق إذا هزّ» ( [٦]).
و هو ظاهر في أنّ المراد بالفقرتين معاً الإسراع كما ذكرنا.
و يحتمل حمل «نثر الدقل» في خبر الدعائم على كثرة التأنّي، و الفصل بين الحروف كثيراً، فيكون كالدقل المنثور واحد هنا، و آخر في موضع آخر، بل و «نثر الرمل» في خبر غيره [أي خبر عبد اللّه بن سليمان] على إرادة مدّه مسترسلًا متفاحشاً كالرمل المنثور، فيكون المراد حينئذٍ من كلٍّ من الفقرتين غير الاخرى، و لعلّه إليه أومأ العلّامة الطباطبائي بقوله:
و رتّل القرآن ترتيلًا و لا * * * تهذّه تمدّه ( [٧]) مسترسلًا
( [٨])
و كأنّ قراءة الشعر في الزمن السالف كانت بغير الطرق المتعارفة في هذا الزمان و إلّا كان إرادة كثرة التأنّي و المدّ في هذه الفقرة أولى من الفقرة الثانية.
و احتمال التزامه منافٍ لتفسير الهذّ بسرعة القطع.
اللّهمّ إلّا أن يراد منه هنا مطلق التلفّظ، فتأمّل.
و على كلّ حال، فالمراد بالترتيل ما ذكرنا. و ظني أنّه المراد لأكثر اللغويين و الفقهاء و إن اختلفت عباراتهم، كما هو دأبهم في
[١] الاقحوان: البابونج، و هو نبت طيب الريح، حواليه ورق ابيض و وسطه اصفر. الصحاح ٦: ٢٤٥٩.
[٢] الالص: المتقارب الاضراس. الصحاح ٣، ١٠٥٦.
[٣] المزمل: ٤.
[٤] الوسائل ٦: ٢٠٧، ب ٢١ من قراءة القرآن، ح ١.
[٥] دعائم الاسلام ١: ١٦١. المستدرك ٤: ١٧٦، ب ١٤ من القراءة في الصلاة، ح ١، مع اختلاف.
[٦] النهاية (لابن الاثير) ٢: ١٢٧.
[٧] في المصدر: «تهذ او تمده».
[٨] الدرة النجفية: ١٤٠.