الشعائر الحسينية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢٤
الحاجات، بل إذا استمر واشتد هذا البكاء، يكون دليلًا على شدة الإيمان واليقين برجاء الله سبحانه، وقدرته تعالى على كشف أحلك العقد وأشدّها، وأعظم الكُرب وأبلاها، ومن ثمّ قال النبي يعقوب (ع)، أن العنوان الثاني للبكاء هو: وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، يعني معرفته بالله وبرجاء الله وقدرة الله سبحانه، وعظمته الغالبة على كل شيء قادرة على رفع اليأس، ورفع شديد البلاء وعظائم الكرب، وقاسي المحن. فالبكاء أمل ورجاء وثقة بالله العلي العظيم ..
وإلى ذلك تشير الآيات في سورة يوسف مرة أُخرى: وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ- فكرر يعقوب عليهم وذكرهم بفلسفة وغاية البكاء، وأن بكاءه لم يكن عديم الغاية وكان ضلالًا، بل هو هدى وفلاح ونجاح حيث ذكر القرآن الكريم على لسان يعقوب: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ- أي أن البكاء وبث الشكوى والهم والحزن إلى الله تعالى، لا إلى غيره هو دعاء وسؤال وطلب حاجة من الله تعالى. فمن يبكي ويتوجه ببكائه إلى الساحة الإلهية، يدل على قوة توكله على الله تعالى، وقوة معرفته بعظمة قدرة الله على كل شئ، ولا ييأس من روح الله، فإدمان البكاء هو إلحاح في الدعاء والطلب؛ ومن ثم، اعتذروا عن تسفيههم بكاء يعقوب وعن تضليلهم لحزنه الطويل وعن إستهجانهم إدمان ذكره ليوسف، وعرفوا أن مأتم