أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٨ - المختار في المسألة
أحدهما: أنّ الأحكام التكليفية متضادّة لكن لا بذواتها لأنّها اعتباريّة من هذه الجهة، و الاعتبار كما مرّ خفيف المئونة، بل من حيث المبادئ، أي الكراهة و المحبّة في نفس المولى، و من حيث الغايات و مقام الامتثال، أي مقام الإتيان و العصيان.
ثانيهما: أنّ متعلّق الأحكام هو الخارج لكن من طريق الصور و المفاهيم الذهنيّة، فإنّ وزانها وزان العلم الحصولي، فكما أنّ متعلّقه و المعلوم فيه إنّما هو الخارج لكن بواسطة الصور الذهنيّة لعدم إمكان حلول الخارج في الذهن، كذلك الأحكام في الإخباريات و الإنشائيات، فإنّها من قبيل العلم الحصولي تتعلّق بالخارج و يكون موضوعها هو الخارج لكن بواسطة العناوين المتصوّرة في الذهن و من طريق استخدام تلك العناوين، فالحكم بأنّ الشمس موجودة مثلًا تعلّق بالشمس المتصوّر في الذهن ابتداءً و لكن لينتقل منه إلى الخارج.
إن قلت: إنّ هذا ينتقض بالجاهل المركّب فيما إذا رأى سراباً مثلًا بتوهّم أنّه الماء، لأنّه لا إشكال في أنّ متعلّق حبّه و طلبه في قوله «ايتني الماء» حينئذٍ إنّما هو الصورة الذهنيّة من الماء لا الماء الخارجي لأنّه معدوم في الخارج على الفرض.
قلنا: إنّ مطلوب الجاهل المركّب و محبوبه أيضاً هو الماء الخارجي و إنّما الخطأ في التطبيق، نظير من حكم بإخراج إنسان من داره بتوهّم أنّه عدوّه و ليس عدوّاً في الواقع، فلا إشكال في أنّ بغضه و كراهته متعلّق بالعدوّ الخارجي أو السارق الخارجي، و لكنّه خطأ في التطبيق، فإنّ في ما نحن فيه أيضاً قد تعلّق الحبّ و الطلب حقيقة و في الواقع بالماء الذي يكون منشأ للأثر و يوجب رفع العطش، و هذا أمر بديهي، فهو طالب للماء الخارجي و لكنه طلب الصورة الذهنيّة بتوهّم أنّه ماء خارجي و إلّا لا شكّ في أنّه لا يطلب السراب قطعاً.
إن قلت: المعروف في باب العلم الحصولي أنّ المعلوم بالذات إنّما هو الصور الذهنيّة، و أمّا الخارج فهو معلوم بالعرض و بتبع الصور الذهنيّة، فليكن المحبوب بالذات أيضاً في ما نحن فيه هو الصورة الذهنيّة.
قلنا: إنّ المراد من المعلوم بالذات هو ما حضر في الذهن، و لا شكّ أنّ الحاضر في الذهن هو الصور الذهنيّة، و أمّا الخارج فلا يحضر في الذهن بذاته، و لكن الآثار المختلفة إنّما تترتّب على الخارج لا على الصور الذهنيّة، فالعقرب أو السبع الذي يخاف منه الإنسان إنّما هو الخارجي منه فإنّه منشأ للضرر و الخطر لا الصورة الذهنيّة منه، و في موارد الجهل المركّب يكون الخوف