أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨١ - جواز التخيير بين الأقلّ و الأكثر
يحصل الغرض، و معه يكون الأمر بالأكثر لغواً لا يمكن صدوره من الحكيم.
و قد أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله)، بأنّه يمكن أن يفرض أنّ المحصّل للغرض فيما إذا وجد الأكثر هو الأكثر لا الأقلّ الذي في ضمنه، أي كان لجميع أجزائه دخل في حصول الغرض، و المحصّل له فيما إذا وجد الأقلّ هو الأقلّ كذلك، أي كان كلّ منهما بحدّه محصّلًا للغرض، وعليه فلا محيص عن التخيير بينهما، إذ تخصيص الأقلّ بالوجوب حينئذٍ يكون بلا مخصّص.
و قد اجيب عنه: بأنّ هذا خارج عن مفروض الكلام و هو التخيير بين الأقلّ و الأكثر، و ذلك لأنّ ما فرضه و إن كان تخييراً بينهما صورة إلّا أنّه بحسب الواقع تخيير بين المتباينين، و ذلك لفرض أنّ الماهية «بشرط لا» تباين الماهية «بشرط شيء».
أقول: الصحيح هو التفصيل بين ما إذا يحصل الأقلّ ضمن الأكثر دفعة واحدة كما إذا أردنا إلقاء الميّت الغريق (الذي لا يمكن إيصاله إلى ساحل البحر) إلى قعر الماء بشيء ثقيل، فتخيّرنا عقلًا بين أن يكون وزن ذلك الشيء الثقيل عشرين كيلو مثلًا أو أربعين كيلو، و بين ما إذا يحصل الأقلّ ضمن الأكثر تدريجاً كما في مثال الصّلاة، فإنّ إشكال اللغويّة المزبورة لا تتصوّر في القسم الأوّل لأنّ الغرض فيه لا يحصل بخصوص الأقلّ إذا اختار المكلّف الأكثر بل يكون المحصّل للغرض حينئذٍ تمام الأكثر (و في المثال تمام الأربعين كيلو) فيكون التخيير بين الأقلّ و الأكثر فيه بلا إشكال، نعم أنّها تتصوّر في القسم الثاني، و لا يمكن التفصّي عنها بما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) لنفس ما ذكرناه من الجواب.
هذا في التخيير العقلي، و كذلك في التخيير الشرعي، فلا إشكال فيه أيضاً فيما إذا أتى بالأكثر دفعةً كما إذا أمر المولى بإدخال ثلاثة رجال أو خمسة في الدار فأدخل العبد الخمسة دفعةً.
و بما ذكرنا يظهر أنّ التخيير بين الواحد و الثلاث في مثل التسبيحات الأربعة ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ الأقلّ يتحقّق ضمن الأكثر تدريجاً، فلا بدّ أن يقال أنّ الواجب فيها هو الأقلّ، و أمّا الأكثر و هو التسبيح مرّة ثانية و ثالثة فيحمل على الاستحباب.
و بما ذكرنا ظهر الجواب عن الشبهات التي طرحناها في أوّل البحث:
أمّا الاولى منها: و هي أنّ الوجوب ينافي جواز الترك- فجوابها أنّا لا نقول بوجوب كلّ من الطرفين، بل الواجب عندنا عنوان أحدهما، و هو لا يجوز تركه بكلا مصداقيه.
و أمّا الثانيّة منها: و هي أنّ الطلب التشريعي وزانه وزان الطلب التكويني فلا يمكن تعلّقه