أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٧ - المقام الأوّل- إجزاء الإتيان بالمأمور به مطلقاً عن أمر نفسه
يطلب كلّ واحد منهما من المكلّف امتثالًا يخصّ به، و من جملتها
ما رواه زرارة قال: سألته عن مُحرمٍ غشى امرأته و هي محرمة قال: «جاهلين أو عالمين؟» قلت: أجبني في (عن) الوجهين جميعاً، قال ٧: «إن كانا جاهلين استغفرا ربّهما و مضيا على حجّهما و ليس عليهما شيء، و إن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه و عليهما بدنة و عليهما الحجّ من قابل، فإن بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتّى يقضيا نسكهما و يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا» قلت: فأي الحجّتين لهما قال: «الاولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، و الاخرى عليهما عقوبة»
. [١]
حيث إنّ هذه الرّواية تدلّ على وجود أمرين في المسألة يكون لكلّ واحد منهما امتثال على حدّه، أمر واقعي أوّلي و أمر واقعي ثانوي، فلا تكون من باب الامتثال بعد الامتثال بالنسبة إلى أمر واحد حتّى يستفاد منها عدم إجزاء الإتيان بالمأمور به عن الأمر الأوّل.
بقي هنا شيء:
و هو جواز الامتثال بعد الامتثال في الجملة.
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى جوازه و تبعه المحقّق النائيني (رحمه الله) [٢] و ذهب المحقّق العراقي إلى عدم جوازه و تبعه بعض أعاظم العصر [٣].
قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية: «لا يبعد أن يقال بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال و التعبّد به ثانياً بدلًا عن التعبّد به أوّلًا لا منضمّاً إليه كما أشرنا إليه في المسألة السابقة و ذلك فيما علم أنّ مجرّد امتثاله لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض و إن كان وافياً به لو اكتفى به كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعدُ، فإنّ الأمر بحقيقته و ملاكه لم يسقط بعدُ، و لذا لو اهرق الماء و اطّلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانياً كما إذا لم يأت به أوّلًا، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه و إلّا لما أوجب حدوثه، فحينئذ يكون له الإتيان بماء آخر موافق للأمر كما كان له قبل إتيانه الأوّل بدلًا عنه، نعم فيما كان الإتيان علّة تامّة لحصول
[١] وسائل الشيعة: ج ٩، الباب ٣ من أبواب كفّارات الاستمتاع، ح ٩.
[٢] راجع فوائد الاصول: ج ١، ص ٢٤٢.
[٣] راجع المحاضرات: ج ٢، ص ٢٢٥.