أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٨ - الأدلّة النقليّة على القول بالاختيار
و الجواب عنها: أمّا الآيتان الأوّليان فالمراد من «كلّ شيء» فيهما إنّما هو الذوات و الأعيان الخارجيّة بقرينة أنّ الكلام فيهما و فيما قبلهما من الآيات إنّما هو في خلق السموات و الأرض و بقرينة أوائل الآية الثانيّة و هو قوله تعالى: «قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا» فإنّه وارد في ما اتّخذوه شركاء للَّه تعالى و ليست ناظرة إلى أفعال الإنسان كما لا يخفى.
و أمّا الآية الثالثة فهي أيضاً ناظرة إلى أوثانهم بما هي أوثان و ذوات خارجيّة لا بما هي أعمال، و الشاهد على ذلك قوله تعالى «ما تنحتون» فإنّ كلمة «ما» هنا موصولة لا مصدريّة، و بالجملة يستفاد من مجموع هذه القرائن أنّ هذا القبيل من الآيات منصرفة إلى الأعيان و الذوات الخارجيّة، كما يشهد على ذلك كلمة «شيء» حيث إنّها أيضاً تنصرف إلى خصوص الأعيان غالباً و لا يطلق على العمل.
هذا- و لو سلّمنا عموم هذه الآيات بالنسبة إلى الأفعال أيضاً، لكن قد عرفت أنّ إسناد العمل إلى اللَّه تعالى لا يمنع عن إسناده إلى الإنسان نفسه، لأنّ أحدهما في طول الآخر، و هو معنى الأمر بين الأمرين كما سيأتي تفصيلًا إن شاء اللَّه.
الطائفة الثانيّة: الآيات التي تدلّ على نفي المشيّة عن العبد نحو قوله تعالى: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»* [١].
و الجواب عنها: أنّ مقتضى مذهب الأمر بين الأمرين عدم استقلال مشيّة العبد عن مشيّة اللَّه تعالى و إن كانت إرادة العبد و اختياره في طول ارادته و إنّ اللَّه أراد أن يختار العبد و يريد الفعل الفلاني كما سيأتي في توضيح الأمر بين الأمرين مزيد بحث لذلك، فمشيّة العبد حينئذ لا تنفكّ عن مشيّة اللَّه أبداً، و هذا لا ينافي الاختيار كما لا يخفى.
الطائفة الثالثة: الآيات التي تدلّ على نفي الفعل عن العباد كقوله تعالى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» [٢].
و يمكن الجواب عنها بوجهين:
الجواب الأوّل: أنّ المراد منه نفي استقلال العبد في التأثير و كون الفاعل المستقلّ هو اللَّه
[١] سورة الدهر: الآية ٣٠.
[٢] سورة الانفال: الآية ١٧.