أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٥ - الجهة السادسة في ثمرة القول بوجوب المقدّمة
معروض الوجوب المقدّمي هو ذات المقدّمة، و المقدّميّة علّة لعروض الوجوب على الذات، وعليه فلا يتصوّر في المقدّمة جهتان تقييديتان حتّى يتعلّق الأمر بإحداهما و النهي بالاخرى، نعم أنّها تندرج في مسألة النهي عن العبادة إن كانت المقدّمة عبادة، و في مسألة النهي عن المعاملة إن كانت معاملة.
و لكن يمكن الجواب عنه: بأنّ الحيثيات التعليليّة في الأحكام العقليّة ترجع في الواقع إلى الحيثيات التقييديّة، فإذا حكم العقل بوجوب المقدّمة شرعاً لأنّها مقدّمة كان الواجب حينئذ هو عنوان المقدّمة لا ذاتها.
و ثانياً: بأنّه لا يلزم اجتماع الوجوب و الحرمة في المقدّمة المحرّمة حتّى على القول بالوجوب، و ذلك لأنّ المقدّمة إن كانت منحصرة في الفرد المحرم منها كانحصار المركوب في الدابّة المغصوبة مثلًا فلا محالة تقع المزاحمة حينئذٍ بين وجوب ذي المقدّمة كالحجّ في المثال و بين حرمة مقدّمته كالركوب، فعلى تقدير كون وجوب الحجّ أهمّ من حرمة مقدّمته لا تتّصف المقدّمة إلّا بالوجوب، و على تقدير كون حرمة المقدّمة أهمّ من وجوب الحجّ لا تتّصف المقدّمة إلّا بالحرمة، فعلى التقديرين لا يجتمع الوجوب و الحرمة في المقدّمة حتّى تندرج في مسألة اجتماع الأمر و النهي (هذا مع قطع النظر عن المراد بالاستطاعة في المثال).
و إن لم تكن المقدّمة منحصرة في الفرد المحرّم فلا تتّصف المقدّمة المحرّمة بالوجوب حتّى يلزم الاجتماع لأنّ حرمتها تمنع عن سراية الوجوب الغيري إليها.
و يمكن الجواب عنه أيضاً: بأنّه تامّ بناءً على امتناع اجتماع الأمر و النهي و انحصار المقدّمة بالمحرّمة، و أمّا بناءً على القول بجواز الاجتماع و عدم سراية النهي من متعلّقه إلى ما ينطبق عليه متعلّق الأمر في صورة عدم الانحصار فلا موجب لتخصيص الوجوب حينئذٍ بخصوص المقدّمة المباحة، و ذلك لأنّ لكلّ من دليلي الأمر و النهي إطلاقاً يشمل المقدّمة المحرّمة أيضاً.
و ثالثاً: بأنّه لو سلّمنا صغرويّة المقدّمة المحرّمة لمسألة الاجتماع إلّا أنّه لا يترتّب عليها ثمرة عمليّة، و ذلك لأنّ المقدّمة إمّا توصّلية و إمّا تعبّديّة، فعلى الأوّل يمكن التوصّل بالمقدّمة إلى ذي المقدّمة من دون فرق بين القول بجواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه، و من دون فرق بين القول بوجوب المقدّمة و عدمه، لأنّ التوصّل بها إلى ذي المقدّمة ذاتي و غير مستند إلى الأمر بها فيحصل مطلقاً، و على الثاني (أي ما إذا كانت المقدّمة تعبّديّة كما إذا كانت من الطهارات الثلاث) ففائدة المقدّمة- و هي التوصّل بها إلى ذيها- لا تترتّب عليها بناءً على امتناع الاجتماع