أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٦ - الجهة الاولى في حقيقة النهي و مدلول صيغته
منها بصرف الوجود، من دون فرق بين الامور الشرعيّة و الامور العرفيّة، و أمّا المفسدة فلا يكفي فيها صرف الترك حيث إنّها موجودة في كلّ فرد فرد من أفراد الطبيعة المنهي عنها، و بالطبع تحصل الغاية من النهي بترك جميع الأفراد كالمفسدة الموجودة في السمّ حيث إنّ الغاية في النهي عن شربه إنّما هو حفظ النفس و هو متوقّف على ترك جميع الأفراد كما لا يخفى، و حيث إنّ هذه الخصوصيّة هي الغالبيّة في المصالح و المفاسد حصل من جانبها انصراف في الأوامر و النواهي، فانصرف الأمر إلى فرد واحد و انصرف النهي إلى جميع الأفراد.
الأمر الثاني: أنّ المفاسد في النواهي تتصوّر على ثلاثة أقسام: ففي قسم منها- و هو الغالب- يكون صرف العدم من المفسدة حاصلًا فيكون النهي عنها (لتحقّق صرف العدم منها) تحصيلًا للحاصل، و يصير هذا قرينة على تعلّق النهي بجميع الأفراد على نهج العام الافرادي، نظير ما إذا نذر الإنسان أن يترك التدخين إلى آخر عمره، فإنّ لكلّ فرد من المنهي عنه فيه مفسدة على حدة، فإذا حصل الحنث بالنسبة إلى بعض الأفراد لا يسقط التكليف بالترك بالنسبة إلى سائر الأفراد.
و في قسم آخر منها تكون المفسدة قائمة بصرف الوجود من المنهي نظير ما إذا نذر أن يترك صرف الوجود من التدخين، فيحصل الحنث حينئذٍ بصرف الوجود منه و لا إلزام عليه بالإضافة إلى سائر الأفراد.
و في قسم ثالث منها تكون المفسدة قائمة بالمجموع من حيث المجموع كالمادّة السمّية التي تحصل مفسدتها- و هي هلاك النفس- فيما إذا تناول مجموعها و هو نظير ما إذا نذر أن يترك التدخين على نهج العام المجموعي فيحصل الحنث حينئذٍ بتدخين المجموع فقط و لا مانع في تدخين بعضها.
إذا عرفت هذا فنقول: حيث إنّ الغالب في النواهي إنّما هو القسم الأوّل بل لا مصداق للقسمين الآخرين إلّا أحياناً و في بعض الموارد، فلا بدّ فيهما من نصب قرينة تصير منشأً لانصراف النواهي عن القسم الأوّل، و قرينة عامّة لعدم كفاية صرف العدم، على عكس ما في الأوامر فحيث إنّ إتيان جميع الأفراد فيها مستحيل عادةً صار ذلك قرينة على كفاية صرف الوجود، فتدبّر جيّداً.
ثمّ إنّه قد أورد على الوجه الأوّل (و هو أنّ المصلحة تترتّب غالباً على صرف الوجود