أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٥ - الجهة الاولى في حقيقة النهي و مدلول صيغته
الجبر في جانب الوجود و هذا خلف، و أمّا كون العدم خارجاً عن تحت الاختيار من الأزل فهو لا ينافي اختياريته من حيث البقاء و الاستمرار.
نعم بقي هنا شيء و هو أنّه من البعيد جدّاً أن يكون مراد القائلين بالكفّ الكفّ الفعلي فإنّه يستلزم حصول وسوسة و تزلزل نفساني بالنسبة إلى إتيان العمل المنهي عنه حتّى يتحقّق كفّ النفس عنه خارجاً، مع أنّه ممّا لا يتفوّه به أحد، بل المراد منه الكفّ التقديري و بالقوّة، و لا إشكال في أنّه يرجع حينئذٍ إلى المعنى الأوّل للترك أعني «أن لا يفعل» فيصير النزاع لفظيّاً.
و هاهنا نكتة اخرى: أنّ هذا البحث يجري بعينه أيضاً بالنسبة إلى المذهب المختار، أي كون النهي بمعنى الزجر عن الفعل حيث إنّه لا بدّ من أن يبحث في أنّه هل المراد من الزجر الزجر بالفعل أو الزجر التقديري و بالقوّة، لا إشكال في أنّ المراد منه أيضاً هو الزجر بالقوّة، لأنّه لا معنى للزجر الفعلي بالنسبة إلى من يكون منزجراً بنفسه.
ثمّ إنّ هاهنا بحثاً آخر معروفاً، و هو أنّه كيف يدلّ النهي على وجوب ترك جميع الأفراد العرضيّة مع كفاية تحقّق صرف الوجود للامتثال في الأمر؟ فما هو منشأ هذا الفرق؟
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) و كثير من المتقدّمين إلى أنّه حكم العقل بلحاظ خصوصيّة في الأمر الوجودي و الأمر العدمي، و إليك نصّ كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله): «ثمّ إنّه لا دلالة لصيغته (صيغة النهي) على الدوام و التكرار كما لا دلالة لصيغة الأمر و إن كان قضيّتهما عقلًا تختلف ...
(إلى أن قال) ضرورة أنّ وجودها يكون بوجود فرد واحد و عدمها لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع» (انتهى).
لكن الإنصاف أنّه في غير محلّه، لأنّ الوجود و العدم متقابلان تقابل النقيضين و أنّ أحدهما بديل للآخر و لازمه، أن يحصل العدم بفرد واحد كما يحصل الوجود بفرد واحد.
و بعبارة اخرى: كما أنّ وجود الطبيعي يكون بوجود أفراده فيتعدّد وجوده بتعدّد أفراده، كذلك عدم الطبيعي ينعدم بتعداد اعدام أفراده، فإنّ العدم يتصوّر بتعداد وجودات الأفراد و يكون بإزاء كلّ وجود عدم خاصّ.
فالصحيح أن يقال: إنّ المنشأ لهذا التفاوت يتلخّص في أمرين:
الأمر الأوّل: اختلاف طبيعة المصلحة و طبيعة المفسدة اللتين هما الغايتان الأصليتان في البعث و الزجر، فإنّ المصلحة بمقتضى طبيعتها و ذاتها تحصل بصرف الوجود، أي تحصل الغاية