أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٣ - الأمر الثاني في بيان تفصيلين في المسألة
و لكن الإنصاف أنّه في غير محلّه لأنّه أوّلًا: إنّ اللغويّة على تقدير لزومها تختصّ بما إذا كان وجوب المقدّمة ملازماً لجعل الشارع و اعتباره إيّاه حيث يقال حينئذٍ: لا حاجة إلى جعله و اعتباره من جانب الشارع مع وجود اللابدّية العقليّة، و لكن الملازمة ممنوعة، لأنّه يكفي في وجوب شيء في الواقع كونه محبوباً للمولى و متعلّقاً لشوقه و إرادته واقعاً، و هو حاصل في ما نحن فيه، و بعبارة اخرى: اللغو في المقام إنّما هو جعل الحكم و اعتباره، و لا حاجة إليه في إثبات الوجوب الشرعي لكفاية إحراز الملاك في ذلك.
و ثانياً: اللغويّة ممنوعة جدّاً، لما عرفت من كفاية كونه تأكيداً، فكم من واجب شرعي يكون تأكيداً في واجب عقلي!
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: عدم منافاة الوجوه الأربعة للمختار
ما ذكرنا من الوجوه الأربعة لإثبات وجوب المقدّمة آنفاً لا ينافي مفاد التامّ منها- و هو الثلاثة الاولى- ما اخترناه سابقاً من وجوب المقدّمة الموصلة، أمّا دليل الوجدان فلأنّه حاكم على أنّ الإنسان المريد لإتيان ذي المقدّمة إنّما يريد مقدّماته لايصالها إلى ذيها كما لا يخفى، و أمّا الأوامر الغيريّة الواردة في لسان الشرع فالقدر المتيقّن منها أيضاً وجوب الموصل من المقدّمات، فالقدر المتيقّن من مفاد قوله تعالى: «فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» إنّما هو وجوب السعي الموصل إلى ذكر اللَّه لا مطلق السعي، و أمّا مقايسة التشريع بالتكوين فكذلك، لأنّ المباشر لذي المقدّمة في الإرادة التكوينيّة إنّما يريد المقدّمات التي توصل إلى ذيها، و هو واضح فليكن كذلك في الإرادة التشريعيّة.
أضف إلى ذلك ما مرّ بالنسبة إلى المقدّمة المحرّمة للواجبات حيث قلنا هناك أنّ حرمة المقدّمة إنّما ترتفع فيما إذا كانت المقدّمة موصلة فقط، فكذلك في غيرها.
الأمر الثاني: في بيان تفصيلين في المسألة:
التفصيل الأوّل: التفصيل بين السبب و غيره، بمعنى أنّ المقدّمة إذا كانت من الأسباب