أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٧ - الأمر الثالث كيفية الثواب و العقاب الاخرويين
«ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَ لا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً وَ لا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» [١]، و نظير ما وردت من الرّوايات الكثيرة بالنسبة إلى زيارة قبر الإمام أبي عبد الله ٧، و بالنسبة إلى الذهاب إلى المسجد و ترتّب الثواب على كلّ خطوة، و هكذا ما ورد بالنسبة إلى مقدّمات تحصيل العلم.
و أمّا ترتّبه على خصوص ما إذا قصد بإتيان المقدّمة الوصول إلى ذي المقدّمة فلأنّ الأعمال بالنيّات، و التقرّب المزبور إنّما يحصل فيما إذا قصد بالمقدّمة امتثال تكليف إلهي و الوصول إلى واجبه.
و أمّا ترتّبه على خصوص المقدّمة الموصلة بالوصول الفعلي عند عدم المانع فلأنّه لو شرع بالمقدّمات ثمّ انصرف عنها من دون عذر لم يحصل له التقرّب المزبور كما لا يخفى.
و بما ذكرنا يظهر أنّ ما قد يقال «من أنّ الثواب عند العرف و العقلاء لا يترتّب على المقدّمة بل هو إنّما يترتّب على خصوص ذي المقدّمة فإنّهم لا يعطون اجرة على ما يتحمّله الأجير للبناء مثلًا من مقدّمات الوصول إلى ذي المقدّمة كطيّ مسافة من بلدة إلى بلدة»، في غير محلّه، حيث إنّا قلنا أنّ الاستحقاق في ما نحن فيه ليس من قبيل الاجرة للأجير بل هو بمعنى اللياقة و الاستعداد لفضل اللَّه تعالى، و المعيار فيه إنّما هو القرب الذي يحصل للعبد و هو حاصل في الإتيان بالمقدّمات أيضاً.
كما يظهر أنّ المترتّب على المقدّمة ثواب مستقلّ و ليس هو نفس ما يترتّب على ذي المقدّمة كما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله).
و استدلّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) لعدم ترتّب الثواب مطلقاً بحكم العقل، بمعنى أنّه إذا أتى بالواجبات بما لها من المقدّمات لم يستقلّ العقل إلّا باستحقاق ثواب واحد.
و قد ظهر ممّا ذكرنا الجواب عنه أيضاً، لأنّه إن كان مراده ما إذا لم يقصد من المقدّمة الوصول إلى ذي المقدّمة، فالحقّ ما ذهب إليه من حكم العقل بعدم ترتّب ثواب مطلقاً، و أمّا إن كان مراده ما إذا قصد بالمقدّمة الوصول إلى ذيها فالإنصاف أنّ ضرورة العقل على عكس ما ذكر،
[١] سورة التوبة: الآية ١٢٠ و ١٢١.