أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٨ - الأمر الثالث كيفية الثواب و العقاب الاخرويين
فإنّه حكم بترتّب الثواب على إتيان المقدّمة أيضاً، لما يحصل منه من اللياقة و التقرّب كما مرّ.
هذا- مضافاً إلى أنّ لازم كلامه رفع اليد عن ظواهر الآيات و الرّوايات (و حملها على بعض المحامل كما أنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) حملها على توزيع ثواب ذي المقدّمة على المقدّمة و أنّ المقدّمات مهما كثرت ازداد ثواب ذي المقدّمة لصيرورته حينئذٍ من أفضل الأعمال حيث صار أشقّها و أحمزها) مع أنّه تكلّف واضح.
و مما ذكرنا ظهر حال سائر الأقوال في المسألة و جوابها.
ثمّ إنّه يمكن أن يقال: إنّ الثواب كما يترتّب على المقدّمات يترتّب على لوازم المقدّمات أيضاً، فكما يترتّب الثواب على تهيئة الزاد و الراحلة و طيّ الطريق في مثال الحجّ، كذلك يترتّب على تحمّل الأذى و التعب في هذا الطريق أو المرض الذي يعرضه فيه، و يدلّ عليه ملاحظة العناوين الواردة في الآية المزبورة حيث إنّ أكثر هذه العناوين و هي «الظمأ» و «النصب» و «المخمصة» و ما ينالونه من العدوّ من المصائب البدنيّة أو الماليّة أو العرضيّة، و هكذا قطع الوادي حين الرجوع من الجهاد من ملازمات الفعل لأنفسه كما لا يخفى.
إن قلت: لازم ترتّب الثواب على فعل المقدّمة ترتّب العقاب على تركها، و هو ممّا لا يمكن الالتزام به.
قلنا: بل نلتزم به فيما إذا ترك مقدّمة الواجب بقصد أن يترك ذيها، و ذلك لأنّ ترك المقدّمة مع هذا القصد يوجب بُعداً عن اللَّه تعالى و هو ملاك العقاب، مثل ما إذا منع الآخرين من بناء المساجد لكي يمنع الناس عن الصّلاة و العبادة، نعم إذا ترك مقدّمة الواجب لا بقصد ترك أمر المولى سبحانه بل لما سوّلت له نفسه و غلبه هواه (كما ورد في بيان الإمام السجّاد ٧ في دعاء أبي حمزة الثمالي: إلهي لم أعصك حين عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد و لا بأمرك مستخفّ ...
و لكن خطيئة عرضت و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي و أعانني عليها شقوتي و غرّني سترك المُرْخى عليّ) فلا يعاقب على ترك المقدّمة عقاباً مستقلًا على عقاب ترك ذيها، نعم لمّا كان تركها سبباً لترك الواجب فهو تارك للواجب عالماً عامداً.
و من هنا يعلم ترتّب العقاب على فعل مقدّمة الحرام إذا أتى بها بقصد الإيصال إلى الحرام و قد صرّح به في بعض الرّوايات نظير ما ورد في شرب الخمر: «إنّ رسول اللَّه ٦ لعن في الخمر عشرة، غارسها و حارثها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة إليه و بائعها