أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٢ - الأمر السابع الحقيقة الشرعيّة
الأمر السابع: الحقيقة الشرعيّة
و ينبغي التنبيه على مقدّمة قبل الشروع في أصل البحث، و هي أنّ الألفاظ تارةً توضع لفهم عموم الناس و هي أكثر الألفاظ المتداولة بينهم، و تسمّى بالحقائق اللغويّة أو العرفيّة، و اخرى توضع لصنف خاصّ منهم و تسمّى بالمصطلحات نظير لفظ «الاصول العمليّة» فإنّه وضع في علم الاصول للُاصول الأربعة العمليّة المعهودة، و أمّا في اللّغة فوضع لفظ «الأصل» و «العمل» لما هو أوسع من ذلك كما هو واضح، و الفرق بين القسمين أنّ الحقائق اللغويّة تفيد معانيها اللغويّة كيفما استعملت، من دون أن تكون مقيّدة بكلام خاصّ، و أمّا المصطلحات فإفادتها المعاني المصطلحة متوقّفة على استعمالها في مواردها الخاصّة.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ لنا في الشرع ماهيّات مخترعة نحو الصّلاة و الحجّ و الزّكاة، و اموراً اخرى مشابهة لها، نحو عنوان «التكبير» الذي في اللّغة بمعنى مطلق التعظيم، في الشرع وضع لصيغة «اللَّه اكبر» و لكنّه ليس ماهية مخترعة مستقلّة تتركّب من أجزاء و أعمال كماهيّة الصّلاة، و لا إشكال في أنّ الألفاظ الدالّة على هذه الماهيات المخترعة في زماننا هذا حقيقة في المعاني الشرعيّة، و لكن لا بدّ من البحث في أنّها هل صارت حقيقة فيها في عصر الشارع حتّى تحمل على تلك المعاني في لسانه (و تسمّى حينئذٍ بالحقائق الشرعيّة) أو صارت حقيقة في الأزمنة اللّاحقة بأيدي المتشرّعين، و حينئذٍ تحمل الألفاظ الواردة في لسان الشارع على معانيها اللغويّة عند فقد القرينة، و على معانيها الشرعيّة عند وجودها (و تسمّى حينئذٍ بالحقائق المتشرّعيّة) فيه قولان:
أحدهما: ثبوت الحقيقة الشرعيّة و الثاني: عدمه. و توضيح الحال يستدعي البحث في امور أربع:
الأوّل: في أدلّة القولين.
الثاني: في حدود هذه الماهيّات و عددها، فهل تكون محدودة بمثل الصّلاة و الصّوم و الحجّ،