أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٤
و استدلّ بهما أيضاً للصحّة ببيان أنّ عصيان السيّد ملازم لعصيان اللَّه تعالى، لأنّ طاعة السيّد واجب شرعاً، فإذا لم يوجب عصيان السيّد الفساد لم يوجبه عصيان اللَّه أيضاً.
أقول: الظاهر أنّ منشأ الخلاف في مدلول الرّوايتين إنّما هو أنّ العصيانين الواردين في الرّوايتين هل هما تكليفيان، أو أنّهما وضعيان، أو أحدهما وضعي و الآخر تكليفي؟ فكأنّ القائل بدلالتهما على الفساد يرى أنّ كليهما تكليفيان، و القائل بالصحّة يرى عصيان السيّد تكليفيّاً فحسب و عصيان اللَّه المنفي في الرّواية وضعيّاً، و لازمه أن يكون مدلول الرّواية أنّ الذي يوجب بطلان النكاح و فساده إنّما هو العصيان الوضعي لا التكليفي، و محلّ النزاع في المقام إنّما هو النواهي التكليفية و إنّها هل تدلّ على الفساد أو لا، لا الوضعيّة.
و من هنا يرد عليه ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ مقتضى وحدة السياق وحدة العصيانين في المعنى [١]، فلا يتمّ القول بدلالتهما على الصحّة، و أمّا القول الأوّل، و هو دلالتهما على الفساد.
فيرد عليه: أنّ الإنصاف أنّ المراد من كلا العصيانين في الرّوايتين العصيان الوضعي، أمّا بالنسبة إلى عصيان اللَّه فلأنّ جميع المحرّمات في باب النكاح محرّمات وضعية كما يظهر بالتتبّع فيها، و أمّا ما ورد فيها من الوعيد بالعذاب و العقاب فهو أيضاً ناشٍ من الحرمة الوضعية و ما يترتّب على بطلان النكاح، و يؤيّد ذلك ما ورد في ذيل الرّواية الثانيّة من قوله ٧:
«إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللَّه عليه من النكاح في عدّة و أشباهه»
حيث إنّ حرمة النكاح في العدّة وضعية بلا إشكال.
و أمّا بالنسبة إلى عصيان السيّد فلأنّه لا إشكال في أنّه ليس لازم اعتبار الاذن من السيّد حرمة مجرّد إجراء صيغة النكاح تكليفاً على العبد و إلّا يستلزم حرمة التكلّم و أشباهه أيضاً ممّا لا يعتبر فيه الاذن من السيّد قطعاً بل غاية ما يقتضيه كون عقد النكاح فضولياً و غير تامّ بحسب الوضع، فيصير صحيحاً بلحوق الاجازة، و لازم هذا الحرمة الوضعية فقط.
بقي هنا أمران:
الأمر الأوّل: ما حكي عن أبي حنيفة و الشيباني من دلالة النهي على الصحّة، و ظاهره
[١] راجع أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٠٧.