أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠ - (٣) رسم كلّي لأبحاث علم الاصول
«الملازمات الحكمية» في ذيل دليل من الأدلّة الأربعة و هو دليل العقل، لأنّ وجوب ذي المقدّمة مثلًا بأيّ طريق ثبت- سواء ثبت من خلال دليل لفظي أم لا- قابل للبحث عن أنّه هل يكون ملازماً لوجوب مقدّمته أو لا؟ و هكذا الأمر و النهي- سواء ثبتا بدليل لفظي أو عقلي أو الإجماع- يدخل في مبحث اجتماع الأمر و النهي و إمكانه و استحالته، و جميع مسائل الضدّ و الترتّب و الإجزاء أيضاً من هذا القبيل.
و من المعلوم أنّ تغيير البحث من ناحية الموضع يوجب تغيير شكل البحث أيضاً، فلا يتمسّك أحد بذيل استدلالات من قبيل أنّ وجوب ذي المقدّمة لا يدلّ على وجوب المقدّمة بإحدى الدلالات الثلاث، أو أنّ النهي لا يدلّ على الفساد بإحدى الدلالات الثلاث، فما ذكره بعض أعلام المعاصرين من أنّ هذا التبديل المكاني لا يوجب تغيير ماهية البحث و جوهره قابل للمناقشة، حيث إنّه من المعلوم حينئذ تغيير كيفية الاستدلالات أيضاً، فإنّ البحث اللّفظي يطلب دلائل معينة، و البحث العقلي يطلب دلائل اخرى.
و أمّا ما يكون من سنخ القواعد الفقهيّة لا اصول الفقه [١] و لا الفقه نفسه فحيث إنّه لم يدوّن لها سابقاً علمٌ على حدة دخلت عدّة منها في الاصول (كقاعدتي الفراغ و التجاوز و قاعدة اليد و لا ضرر و القرعة) و عدّة اخرى منها في علم الفقه (نظير قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن و قواعد اخرى من هذا القبيل) و عدّة ثالثة منها المظنون عندي أنّها غير معنونة في ما نعرفه من الكتب الفقهيّة و الاصوليّة بل استند الفقهاء إليها في تضاعيف المباحث الفقهيّة من دون تعرّض لشرح أدلّتها و شرائطها [٢].
فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّه لا بدّ من فذلكة جديدة في مباحث علم الاصول على
[١] و الفرق بين المسائل الاصوليّة و القواعد الفقهيّة هو: أنّ المسائل الاصوليّة لا تشتمل على حكم شرعي خاصّ بل تقع دائماً في طريق استنباط الأحكام، بخلاف القواعد الفقهيّة فإنّها مشتملة على حكم شرعي خاصّ كلّي مثل نفي الضرر أو وجوب الإعادة (في قاعدة لا تعاد) أو الطهارة (في قاعدة الطهارة) أو وجوب التقيّة (في قاعدة التقيّة) أو غير ذلك. كما أنّ الفرق بين هذه القواعد و المسائل الفقهيّة أيضاً واضحة، فإنّ القواعد تشتمل على أحكام كلّية لا يمكن اعطاؤها بيد المقلّد لأنّ تطبيقها على مواردها و إحراز شرائطها من وظيفة الفقهاء، بخلاف الأحكام الفقهيّة فإنّها أحكام خاصّة تُعطى بأيدي المقلّدين، فهذا هو الفرق الأصيل بين هذه العلوم الثلاثة.
[٢] و لتوضيح أكثر في هذا المجال راجع كتابنا «القواعد الفقهيّة».