أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٠ - الفصل الرابع عشر إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟
و أمّا دليل المنسوخ فقد يقال بدلالته على بقاء الجواز ببيان أنّ الوجوب الذي يكون مدلولًا له- مركّب من أمرين: طلب الفعل و المنع من الترك، و المنفي بدليل الناسخ إنّما هو الجزء الثاني أي المنع من الترك، و أمّا الجزء الأوّل و هو طلب الفعل و استحبابه فهو باقٍ على حاله.
و لكن اجيب عنه: بأنّ الوجوب ليس أمراً مركّباً بل أنّ حقيقته أمر بسيط، و التعبير بتركيبه من طلب الفعل و المنع عن الترك تعبير تسامحي، و لو سلّمنا كونه مركّباً منهما إلّا أنّ أوّلهما بمنزلة الجنس و ثانيهما بمنزلة الفصل، و قد قرّر في محلّه أنّ الجنس و الفصل من الأجزاء العقليّة الانتزاعيّة لا الحقيقية الخارجيّة حيث إنّ الجنس عبارة عن ماهية مبهمة لا محصّلة و إنّما يحصّل في الخارج بالفصل، و من الواضح أنّه لا يبقى بزوال الفصل حينئذٍ تحصّل للجنس في الخارج.
و أمّا الدليل من الخارج فلا يتصوّر في البين دليل إلّا أصالة الاستصحاب، أي استصحاب كلّي الجواز، و قد اجيب عنه أيضاً بأنّ الاستصحاب في ما نحن فيه يكون من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلّي (نظير ما إذا كان كلّي الإنسان موجوداً في الدار مثلًا ضمن وجود زيد و بعد خروجه عن الدار شككنا في بقاء كلّي الإنسان بدخول عمرو) و قد ثبت في محلّه عدم حجّيته.
نعم، يمكن أن يقال أنّه قد استثنى من القسم الثالث صورة ما إذا كان الفرد الزائل و الفرد المحتمل وجوده من مراحل شيء واحد في نظر العرف كالسواد الشديد و السواد الخفيف، حيث إنّهما و إن كانا متباينين بالدقّة العقليّة إلّا أنّهما عند العرف يعدّان من المراحل الوجوديّة لشيء واحد، فيستصحب كلّي السواد إذا علمنا بزوال الفرد الشديد و احتملنا بقاء الفرد الخفيف، و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ الوجوب و الاستحباب (أو الجواز) من المراحل الوجوديّة لحكم واحد عند العرف، و هذا لا ينافي بساطة معنى الوجوب كما لا يخفى.
و لكن اجيب عنه أيضاً بأنّه خلاف ما نجده بوجداننا العرفي حيث إنّ الأحكام الخمسة متباينات عند العرف، و الميزان في باب الاستصحاب و الحكم بتعدّد المتيقّن و المشكوك أو اتّحادهما إنّما هو العرف.
بقي هنا أمران:
الأمر الأوّل: ربّما يقاس ما نحن فيه بما ثبت في محلّه من أنّه إذا دلّت رواية على وجوب