أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٩ - أدلّة القول بوجوب المقدّمة
المقصد و إلى الغاية المطلوبة لا يحصل إلّا بإيجاد مقدّماته، فلا محالة يريده مستقلًا بعد تماميّة مقدّماتها، و أمّا الآمر غير المباشر فالذي يلزم عليه هو البعث نحو المطلوب و إظهار ما تعلّقت به إرادته ببيان وافٍ، بحيث يمكن الاحتجاج به على العبد، و يقف العبد به على مراده حتّى يمتثله، و أمّا إرادة المقدّمات فلا موجب له و لا غاية، بعد حكم العقل بلزوم إتيانها، و الحاصل أنّه فرق بين المباشر و الآمر فإنّه لا مناصّ في الأوّل عند تعدّد الإرادة، لأنّ المفروض إنّه المباشر للأعمال برمّتها فلا محالة تتعلّق الإرادة بكلّ ما يوجده بنفسه، و أمّا الآمر فيكفي في حصول غرضه بيان ما هو الموضوع لأمره و بعثه، بأن يأمر به و يبعث نحوه، و المفروض أنّ مقدّمات المطلوب غير خفي على المأمور، و عقله يرشد إلى لزوم إتيانها فحينئذٍ لأيّ ملاك تنقدح إرادة اخرى متعلّقة بالمقدّمات؟» [١].
و ثانياً: بأن ترشّح إرادة من إرادة اخرى بمعنى كون إرادة الواجب علّة فاعلية لارادتها من غير احتياج إلى مبادئ اخر كالتصوّر و التصديق بالفائدة ممّا لا أصل له، لأنّ الحاكم بوجوب المقدّمة على الفرض هو الشارع الفاعل المريد المختار، و إنّ سبب الوجوب إنّما هو نفس المولى و إرادته، فتوقّف ذي المقدّمة على المقدّمة يكون حينئذٍ داعياً لايجابه المقدّمة، لا أن يكون سبباً بنفسه لوجوبها [٢].
و لكن يمكن الجواب عن كلا الوجهين:
أمّا الوجه الثاني: فلأنّه يمكن أن يقال بأنّ مراد المحقّق النائيني (رحمه الله) و من يحذو حذوه من الترشّح إنّما هو أنّ المولى الحكيم يريد المقدّمات عند إرادة ذيها لا محالة، أي إذا تعلّقت الإرادة بذي المقدّمة تعلّقت مبادئها من التصوّر و التصديق و غيرهما بمقدّماتها أيضاً، غاية الأمر أنّها إرادة غيريّة تبعيّة، مع كونها في نفس الوقت مولويّة لا إرشاديّة، فليس المقصود من الترشّح التولّد القهري غير الإرادي حتّى يقال بأنّه لا أصل له، بل المراد منه التلازم بين الإرادتين، بمعنى أنّ المولى الحكيم إذا التفت إلى توقّف ذي المقدّمة على مقدّماتها يتولّد في نفسه مبادئ إرادتها بمقتضى حكمته.
إن قلت: ليس الكلام في الإرادة و تولّدها في نفس المولى بل الكلام في جعل قانون و اعتبار
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٢٢١ طبع مهر.
[٢] راجع تهذيب الاصول: ج ١، ص ٢٢٠ و ٢٢١، طبع مهر.