أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٧ - الجهة السابعة في تأسيس الأصل في المسألة
و لكن استشكل عليه في المحاضرات: بأنّ موضوع الاستصحاب و إن كان تامّاً إلّا أنّه لا أثر له بعد استقلال العقل بلزوم الإتيان بها لأجل لا بدّية الإتيان بها على كلّ تقدير [١].
أقول: يمكن الجواب عنه بأنّ المستصحب في المقام إنّما هو الوجوب الشرعي أو عدمه، و هو نفسه أثر شرعي، و ليس المستصحب موضوعاً من الموضوعات حتّى لا يمكن استصحابه إلّا إذا ترتّب عليه أثر شرعي، و بعبارة اخرى: المفروض في المقام حصول الشكّ في وجوب المقدّمة بعد أن كان جعله معقولًا و عدم كونه لغواً، فإذا فرضنا أنّ إيجاب المقدّمة شرعاً لا يكون لغواً مع وجود اللابدّية العقليّة و فرضنا حصول الشكّ في إيجابها، فلا إشكال في جواز استصحاب عدمه لأنّ الوجوب بنفسه أثر شرعي و ليس المستصحب موضوعاً حتّى يحتاج إلى أثر شرعي يترتّب عليه.
نعم إنّه مبني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية كما هو المشهور، و أمّا إذا قلنا بعدم جريانه فيها كما هو المختار فلا يجري الاستصحاب هنا.
هذا بالنسبة إلى أصل الاستصحاب.
و أمّا البراءة فقد يقال بعدم جريانها بكلا قسميها: «أمّا العقليّة فلأنّها واردة لنفي المؤاخذة و العقاب، و المفروض أنّه لا عقاب على ترك المقدّمة و إن قلنا بوجوبها، و العقاب إنّما هو على ترك الواجب النفسي فتدبّر، و أمّا الشرعيّة فبما إنّها وردت مورد الامتنان فيختصّ موردها بما إذا كانت فيه كلفة على المكلّف ليكون في رفعها بها امتناناً، و المفروض أنّه لا كلفة في وجوب المقدّمة حيث لا عقاب على تركها» [٢].
و لكن يمكن الجواب عنه بالنسبة إلى البراءة الشرعيّة بأنّ دليلها لا ينحصر في حديث الرفع حتّى يحتاج في جريانها إلى صدق الامتنان، بل هناك وجوه اخرى تدلّ عليها كما تأتي في محلّها في مبحث البراءة فتأمّل.
إلى هنا تمّ الكلام عمّا أردنا إيراده من المقدّمات قبل الورود في أصل البحث عن وجوب المقدّمة و عدمه.
[١] المحاضرات: ج ٢، ص ٤٣٥.
[٢] المصدر السابق: ج ٢، ص ٤٣٥.