أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٤ - الفصل الثالث عشر هل الأمر متعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟
مشخّصاً لوجود عرض آخر، و كذلك وجود جوهر بالإضافة إلى وجود جوهر آخر، أو وجود عرض بالنسبة إلى جوهره الذي يقوم به، بل العرض إنّما يكون ملازماً لجوهره في الخارج و لا ينفكّ عنه، لا أن يكون مشخّصاً له بل تشخّصه بذاته، و بناءً على ذلك: فإنّ الامور المتلازمة للوجود الجوهري خارجاً التي لا تنفكّ عنه كأعراضه من الكمّ و الكيف و غيرهما لا يعقل أن تكون مشخّصات لذلك الوجود، فإطلاق المشخّصات على تلك الأعراض مسامحة جدّاً، وعليه فليست هذه الأعراض و اللوازم متعلّقة للأمر سواء قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع أو بالأفراد.
و بعبارة اخرى: إنّ تلك اللوازم كما أنّها خارجة عن متعلّق الأمر على القول بتعلّقه بالطبيعة، كذلك هي خارجة عن متعلّقه على القول بتعلّقه بالفرد» [١].
قلنا: الإنصاف أنّه لا سبيل لهذه التدقيقات الفلسفية في محلّ البحث، فإنّا نقبل أنّ الوجود متشخّص بذاته لا بعوارضه، لكن الكلام في أنّ هذه العوارض بملاحظة عدم انفكاكها عن الطبيعة في الخارج هل يسري الأمر من الطبيعة إليها على البدل عند العرف أو لا، سواء كان تشخّصها بتلك العوارض أو لم يكن؟ فالمسألة عرفيّة لا فلسفية.
ثمّ إنّ ثمرة المسألة تظهر في موارد عديدة:
منها: باب اجتماع الأمر و النهي كالصّلاة في الدار المغصوبة فإنّه قد يقال: بأنّه إذا تعلّق الأمر بالطبائع كانت النتيجة جواز الاجتماع، لأنّ الأمر المتعلّق بالصّلاة لا يسري إلى الخصوصيّات الفرديّة كغصبية الدار في المثال، و إن قلنا بتعلّقه بالافراد كانت النتيجة الامتناع، لأنّ الخصوصيّة المزبورة (أي الغصبية) تصير أيضاً منهياً عنها و يستحيل تعلّق الأمر بالمنهي عند الآمر و المبغوض عنده (فتأمّل).
منها: حكم الضمائم المباحة في الوضوء و غيره من أبواب العبادات كالوضوء بالماء الحارّ في الشتاء و البارد في الصيف، فلو توضّأ مثلًا بالماء البارد مع قصد التبريد و قلنا بتعلّق الأمر بالطبيعة، فلا إشكال في صحّة الوضوء لأنّ المأمور به إنّما هو مجرّد الطبيعة، و قد وقعت بقصد القربة، و أمّا إن قلنا بتعلّق الأمر بالافراد يقع الوضوء باطلًا، لأنّ الخصوصيّة أيضاً وقعت متعلّقة للأمر العبادي فلا بدّ من إتيانها أيضاً بقصد القربة.
[١] راجع المحاضرات: ج ٤، ص ١٨- ٢٠.