أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٦ - الفصل الثالث عشر هل الأمر متعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: ربّما يتوهّم من قولنا بأنّ الأوامر تتعلّق بالطبائع أنّ المتعلّق هو الطبيعة من حيث هي هي، فيعترض عليه بأنّ الطبيعة من حيث هي هي ليست إلّا هى، لا مطلوبة و لا مبغوضة، و مقتضاه كون الطبيعة في حدّ ذاتها خالية عن القيود فإنّ كلّ شيء في مرتبة ذاته ليس إلّا نفس ذلك الشيء لا غير.
و بعبارة اخرى: المراد من الماهية إنّما هو نفس مفهوم الإنسان مثلًا و هو ليس إلّا نفسه، و ليس مفهوم الشجر و الحجر و غيرهما، أي أنّ كلّ ماهية يكون لها مرتبة خاصّة لا سبيل لغيرها إليها.
و بعبارة ثالثة: ما هو متعلّق الأوامر؟ فإن كان هو الماهية من حيث هي هي فإنّها ليست إلّا هي لا محبوبة و لا مبغوضة، و إن قلنا أنّه الماهية بقيد الوجود فإنّه تحصيل للحاصل، و إن قلنا أنّه الماهية بقيد العدم فهو محال.
و اجيب عنه: بأنّ متعلّق الطلب إنّما هو إيجاد الماهية في الخارج، و بتعبير آخر: إنّ الوجود يتصوّر على قسمين: الوجود بالمعنى المصدري و الوجود بالمعنى اسم المصدري، و المتعلّق للأوامر إنّما هو الأوّل أي الإخراج من كتم العدم إلى عالم الوجود أو انقلاب العدم إلى الوجود، و التحصيل للحاصل إنّما هو الوجود بمعنى اسم المصدري لا المصدر.
توضيح ذلك: الطلب التشريعي يكون بمنزلة الطلب التكويني، فكما أنّ المولى في طلبه التكويني للماء مثلًا لا يطلب الماهية من حيث هي هي لأنّها لا ترفع العطش و لا يطلب السقي الموجود بل يطلب إيجاد السقي في الخارج، كذلك في طلبه التشريعي من العبد، فيطلب الإيجاد، أي المعنى المصدري لا السقي الحاصل بمعنى اسم المصدر و لا الماهية من حيث هي هي.
نعم هذا كلّه في الطلب، و أمّا هيئة الأمر فقد يقال بأنّ متعلّقها إنّما هو نفس الطبيعة لا وجودها، لأنّ نفس الهيئة متضمّنة لمعنى الوجود، أي أنّها بنفسها بمعنى طلب الوجود، و مع ذلك لا معنى لأن يكون الوجود جزءاً لمتعلّقها، أي جزءاً لمادّة الأمر.
و بعبارة اخرى: إنّ الوجود جزء للهيئة لا المادّة و المتعلّق.
و لكن الإنصاف أنّ هيئة الأمر أيضاً وضعت لطلب الوجود لأنّها عبارة عن البعث إلى الفعل، و يكون بمنزلة البعث التكويني، فكما أنّ البعث التكويني يتعلّق بإيجاد المطلوب فكذلك