أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٧ - الوجه الرابع برهان الإرادة
و على الثانيّة: أنّ كون النفس علّة تامّة للفعل أو الترك ينافي تسويتها بالنسبة إلى كلّ من الفعل و الترك و أنّها إن شاءت فعلت و إن شاءت تركت، أي ينافي حالة اختيارها، لأنّ كونها علّة تامّة للفعل أو الترك يستلزم دوران الأمر بين الوجوب و الامتناع بمقتضى قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، و إنكاره جريان هذه القاعدة في الأفعال الاختياريّة (و هي المقدّمة الثالثة) يساوق إنكار قانون العلّية و التسليم بالصدفة كما لا يخفى.
و على الرابعة و الخامسة: أنّ كفاية المرجّح النوعي إنّما هي في رفع العبثية، و أمّا إذا كان المرجّح مؤثّراً في تكوّن العلّة التامّة و تحقّقها فلا يكفي بل لا بدّ من المرجّح الشخصي، لأنّ المرجّح النوعي قد تكون نسبته إلى الفعل و الترك على السواء، نعم إنّ كلامه صحيح بناءً على مبناه من عدم جريان قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» في الأفعال الاختياريّة.
و أمّا مثال الهارب و العطشان فإنّا ننكر عدم وجود مرجّح شخصي فيهما بل ندّعي وجود مرجّح خاصّ فيهما قطعاً كقرب أحد الإنائين أو سبق النظر إلى أحدهما من الآخر، و إلّا لو لم يلتفت إلى مرجّح خاصّ لتوقّف في المشي أو الشرب، و لكن هذا مجرّد فرض، فتلخّص أنّ حلّ مشكلة الإرادة من هذا الطريق غير ممكن و إن كان بعض ما ذكره من المقدّمات صحيح، و عمدة ما يرد عليه هو ما ذكره في استثناء الأفعال الاختياريّة من قاعدة: الشيء ما لم يجب لم يوجد، فإنّه مساوق لانكار قانون العلّية كما لا يخفى.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق العراقي (رحمه الله) في المقام و إليك نصّ كلامه: «إنّ عوارض الشيء على أقسام ثلاثة:
أحدها: ما يعرض على الشيء و ليس بلازم لوجوده و لا لماهيته كالبياض للجسم مثلًا.
ثانيها: ما يعرض الشيء و يكون لازماً لماهيته (كزوجيّة الأربعة).
ثالثها: ما يعرض الشيء و يكون لازماً لوجوده كالحرارة للنار، أمّا القسم الأوّل فلا ريب في أنّ جعل المعروض (بمعنى إيجاده) لا يستلزم جعل عارضه، بل يحتاج العارض إلى جعل مستقلّ، و أمّا القسمان الأخيران فما هو قابل لتعلّق الجعل به هو المعروض و هو المجعول بالذات، و أمّا لازم كلّ من القسمين المذكورين فيحقّق قهراً بجعل نفس ملزومه و معروضه بلا حاجة إلى جعل مستقلّ، فإرادة المعروض تكفي في تحقّقه عن تعلّق إرادة أزليّة اخرى به.
ثمّ قال: إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ أوصاف الإنسان على قسمين:
أحدهما: إنّه يكون من عوارض وجوده و ليس بلازم لوجوده أو ماهيته كالعلم و الضحك