أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٥ - الرابع تقسيم الواجب إلى الأصلي و التبعي
لازم لخطاب آخر و إن كان وجوبه تابعاً لوجوب غيره، و التبعي بخلافه، و هو ما فهم وجوبه تبعاً لخطاب آخر و إن كان وجوبه مستقلًا كما في المفاهيم، فالمناط في الأصالة و التبعيّة هو الاستقلال بالخطاب و عدمه، فإن كان مستفاداً من خطاب مستقلّ فهو الأصلي، و إن فرض وجوبه غيريّاً تابعاً لوجوب غيره، كما قال اللَّه تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ...» [١] الآية، و إن لم يكن مستفاداً من خطاب مستقلّ فهو التبعي، و إن فرض وجوبه نفسيّاً غير تابع لوجوب غيره، كما إذا استفيد ذلك بنحو المفهوم.
فالمداليل الالتزاميّة اللّفظيّة تبعيّة عنده لعدم كونها واردة بخطاب مستقلّ، و إنّما هي لازم لخطاب آخر، بينما هي أصليّة عند المحقّق القمّي (رحمه الله) لكونها مقصوداً بالإفادة للمتكلّم.
و تارةً اخرى: تلحظان بلحاظ مقام الثبوت كما لاحظهما كذلك شيخنا الأعظم (رحمه الله) بناءً على ما في التقريرات، فيكون الأصلي حينئذٍ عبارة عمّا تعلّقت به إرادة مستقلّة من جهة الالتفات إليه بما هو عليه من المصلحة، و التبعي عبارة عمّا لم تتعلّق به إرادة مستقلّة لعدم الالتفات إليه بما يوجب إرادته كذلك، و إن تعلّقت به إرادة إجماليّة تبعاً لإرادة غيره كما في الواجبات الغيريّة الترشّحيّة.
و المحقّق الخراساني (رحمه الله) اختار التفسير الأخير و أنّ التقسيم يكون بلحاظ مقام الثبوت لا بلحاظ مقام الإثبات و الدلالة نظراً إلى أنّ لازمه عدم اتّصاف الواجب الذي لم يكن مفاد دليل لفظي بشيء من الأصلي و التبعي و هو كما ترى.
و هاهنا تفسير آخر و هو أنّ المراد من الأصلي ما اريد لذاته، و بالتبعي ما اريد لغيره، و هو أيضاً تقسيم بلحاظ مقام الثبوت، و لا إشكال في رجوعهما حينئذٍ إلى الواجب النفسي و الغيري و إنّما الاختلاف في التعبير.
أقول: إنّ لازم التفسير الثالث الذي هو تقسيم للواجب بلحاظ مقام الثبوت عدم جريان هذا التقسيم في الواجبات النفسيّة و كون جميعها من الواجبات الأصلية، لأنّ الإرادة في الواجب النفسي مستقلّة قطعاً فإنّه لا معنى لكون الواجب نفسياً ذا مصلحة نفسية ملزمة و لا يكون منظوراً و مراداً بالاستقلال بل أنّه جارٍ في خصوص الواجبات الغيريّة، فإنّها تارةً
[١] سورة المائدة، الآية ٦.