أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٨ - تصوير الجامع للأعمّي
الناطقة المتعلّقة بالبدن، و حيث إنّ النفس باقية مع تبادل الحالات البدنيّة يكون صدق العلم أيضاً باقياً على حاله.
و يرد عليه:
أوّلًا: أنّ الأعلام ليست منحصرة في الإنسان حتّى يقال إنّها وضعت للنفس الناطقة بل إنّها تتصوّر في غيره من الأبنية و الحيوانات أيضاً ك «المسجد الأعظم» و «مدرسة الإمام أمير المؤمنين» و «ذو الفقار» و «ذو الجناح».
و ثانياً: الواضح في الأعلام هو العرف العامّ و هم لا يفهمون من النفس الناطقة شيئاً.
هذا- مضافاً إلى أنّ كثيراً من المادّيين منكرون لوجود النفس في الإنسان و يعتقدون بأنّ الإنسان ليس إلّا هذا البدن المادّي مع أنّهم أيضاً يضعون لأبنائهم أسماء و يجعلونها أعلاماً لهم، و لا يخفى أنّ هذا أيضاً من ثمرات خلط المسائل العرفيّة بالمسائل الفلسفية!
و قال بعض: أنّها وضعت للوجود الخاصّ المتشخّص، فزيد مثلًا وضع لحصّة من الوجود الذي تولّد من أب خاصّ و أُمّ خاصّة في مكان معيّن و زمان مشخّص، و لا إشكال في أنّ هذا المعنى من الوجود لا يتغيّر أبداً على مرّ الدهور و مضي الأعصار، هذا في الإنسان، و كذلك في سائر الأعلام فإنّ الكوفة مثلًا وضعت لمّا بنى في قطعة خاصّة من الأرض و يكون متشخّصاً بتشخّص تلك القطعة، و هذا هو المختار.
إن قلت: إنّ لازمه كون الموضوع في الأعلام حصّة خاصّة من الوجود لا الماهية بينما هي وضعت للماهيات المتشخّصة، و لذلك يحمل عليها الوجود تارةً و العدم اخرى و يقال مثلًا: لم يكن زيد موجوداً فصار موجوداً.
قلنا: سيأتي إن شاء اللَّه من أننا نعتقد بأنّ الموضوع له في جميع الألفاظ المستعملة في لسان العرف هو الوجود (و ما مرّ منّا سابقاً من أنّها وضعت للماهية كان مبنيّاً على مذاق المشهور) و يكون إطلاقها على المعدوم بضرب من التوسّع في المفهوم نظير إطلاق «العالِم» على ذات الباري تعالى (الذي علمه عين ذاته) مع أنّه وضع لذات ثبت لها العلم، و نظير اعتباره تعالى مفرداً مذكّراً في الكلام مع أنّ التذكير و التأنيث من خصوصيات الممكن، و يشهد لما ذكرنا كونه مقتضى حكمة الوضع، لأنّ مراد الواضع من وضعه رفع الحاجات الاعتياديّة اليوميّة التي ترتفع بالوجودات الخارجيّة (لأنّه منشأ كلّ أثر) فإنّه يرى في حياته الاعتياديّة الشمس مثلًا