أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٣ - الجهة الاولى في حقيقة النهي و مدلول صيغته
الفصل الأوّل في دلالات صيغة النهي
و فيه جهات من البحث:
الجهة الاولى: في حقيقة النهي و مدلول صيغته
المعروف بين القدماء و كثير من المتأخّرين أنّ مفاد النهي متّحد مع مفاد الأمر في دلالة كليهما على الطلب، إنّما الفرق في متعلّقهما، فمتعلّق النهي هو الترك، و متعلّق الأمر هو الفعل، و قد ذهب إليه جماعة من المتأخّرين أيضاً منهم المحقّق النائيني (رحمه الله)، و لكن ذهب جماعة اخرى من المحقّقين المعاصرين إلى العكس، فمتعلّق الأمر و النهي عندهم واحد و هو الفعل، و مدلولهما مختلف، فمدلول النهي هو الزجر عن الفعل، و مدلول الأمر هو البعث إلى الفعل، و هذا هو المختار، و مختار تهذيب الاصول و اختاره أيضاً بعض الأعلام في المحاضرات و في هامش أجود التقريرات.
و يمكن أن يستدلّ له:
أوّلًا: بالتبادر فإنّ المتبادر من هيئة «لا تفعل» هو الزجر و المنع عن الفعل لا طلب تركه.
و إن شئت قلت: النهي التشريعي كالنهي التكويني فكما أنّ الناهي عن فعل تكويناً و خارجاً يمنع المنهي و يزجره عن الفعل بيده مثلًا لا أنّه يطلب تركه- كذلك الناهي تشريعاً.
ثانياً: إنّ النواهي لا تصدر من جانب الناهي إلّا لوجود مفاسد في الأفعال المنهي عنها كما أنّ الأوامر تصدر من جانب الآمر لأجل مصالح موجودة في الأفعال المأمور بها، فالنهي عن شرب الخمر لا يكون إلّا لأجل مفسدة فيه، كما أنّ الأمر بالصّلاة لا يكون إلّا لأجل مصلحة موجودة في الصّلاة، لا أنّ النهي عن شرب الخمر يكون لأجل مصلحة في تركه حتّى يكون