أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٩ - الأدلّة النقليّة على القول بالاختيار
تعالى. و بعبارة اخرى: كما أنّ الوجود بالأصالة مختصّ بذاته تعالى، و غيره موجود بإرادته، فكذلك الأفعال الإنسانيّة منسوبة إلى اللَّه تعالى بالأصالة و منسوبة إلى العباد بسبب أنّ اللَّه تعالى أعطاهم القدرة و الاختيار و القوّة.
الجواب الثاني: أنّ هذا التعبير وارد في شأن غزوة بدر التي تختصّ بالامدادات الغيبية و نزول الملائكة حيث إنّ القتل إمّا أن يكون قد تحقق بأيدي الملائكة، فسلب القتل عن المقاتلين لا بأس به، و إمّا أن يكون قد صدر من المقاتلين مع نصرة من الملائكة فكذلك يمكن سلب القتل عنهم بهذا الاعتبار، أي لو لا الامداد الغيبي و نصرة الملائكة لم تقدروا على شيء، و حينئذٍ يصدق قوله تعالى: «وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ».
هذا بالنسبة إلى الفقرة الاولى، و أمّا الفقرة الثانيّة فالمراد منها أنّ تأثير الرمي كان من اللَّه تعالى، أي و ما رميت إذ رميت رمياً مؤثّراً، و الشاهد على هذا وجود إسنادين في الآية، فكما أنّه تعالى يسند الرمي إلى نفسه يسنده إلى رسوله أيضاً، و هذا يشهد على أنّ المقصود من الرمي الأوّل إنّما هو رمي التراب أو الحصى، و من الرمي الثاني تأثيرها في قبض عيون الناظرين كما في الرّوايات [١]، و بالجملة الفقرتين كلتيهما تفسّران بالقرينة المقاميّة الموجودة في الآية.
الطائفة الرابعة: ما تدلّ على أنّ الإيمان و العمل بجعل اللَّه تعالى و بمساعدته نحو قوله تعالى:
«رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ» [٢] و قوله تعالى: «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» [٣].
و الجواب عنها أوضح من الجواب عن الطائفة السابقة عليها، فإنّها من قبيل التعبير الرائج بيننا من أنّ التوفيق بيد اللَّه، و التوفيق عبارة عن تهيئة أسباب الخير و مقدّمات العمل الصالح على حدّ الاقتضاء و الاعداد لا العلّية التامّة كما لا يخفى، و أمّا المراد من كتابة الإيمان فهو إثبات
[١] فقد ورد في الرّوايات أنّ النّبي ٦ قال لعلي ٧: «ناولني كفّاً من حصى و ناوله و رمىَ به في وجوه قريش فما بقي أحد إلّا امتلأت عيناه من الحصى» (تفسير البرهان ذيل الآية ١٧ من سورة الأنفال) و في الدرّ المنثور ذيل نفس الآية: «أخذ رسول اللَّه قبضة من تراب فرمى بها».
[٢] سورة ابراهيم: الآية ٤٠.
[٣] سورة المجادلة: الآية ٢٢.