أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٠٢ - الفصل السابع في المرّة و التكرار
به إتيانه مكرّراً فإتيانه مكرّراً يوجب الإجزاء، فمسألة الإجزاء تكون في طول هذه المسألة و متأخّرة عنها، إذا عرفت هذين الأمرين فلنرد في أصل المسألة.
فنقول: المشهور بين المتأخّرين أنّ هيئة الأمر لا يدلّ على المرّة و التكرار بل يدلّ على صرف الطبيعة فقط غاية الأمر أنّها تحصل بفرد واحد.
و الوجه في دلالتها على مجرّد الطبيعة هو التبادر فالمتبادر من قوله: «اغتسل» إنّما هو طلب طبيعة الغسل التي تحصل بإتيان مصداق واحد و نتيجته هو المرّة.
هذا ما استحسنه القوم و تلقّوه بالقبول، و لكن الصحيح عندنا أنّها تدلّ على المرّة و لكن لا بالدلالة اللّفظيّة بل من باب مقدّمات الحكمة، لأنّ المولى كان في مقام البيان، فلو كان مطلوبه إتيان الطبيعة أكثر من مرّة واحدة لكان عليه البيان، لأنّ القدر المتيقّن من مدلول اللفظ إنّما هو المرّة، و إمّا التكرار فهو يحتاج إلى مئونة زائدة، و حيث إنّ المفروض كون المولى في مقام البيان و لا إهمال في مقام الثبوت (لأنّ المولى إمّا أن أراد المرّة أو أراد التكرار) و مع ذلك لم يأت في مقام الإثبات بما يدلّ على التكرار فنستكشف أنّ مطلوبه إنّما هو إتيان العمل مرّة.
نعم، هاهنا امور لا بدّ من بيانها:
الأمر الأوّل: في ما نلاحظه من الفرق بين الأمر و النهي و إنّ الأمر يكفي في امتثاله إتيان فرد واحد بينما النهي لا بدّ لامتثاله من ترك جميع الأفراد مع أنّ المتعلّق في كليهما أمر واحد و هو الطبيعة، و الطبيعي موجود بوجود أفراده، و نسبة الطبيعي إلى أفراده هي نسبة الآباء إلى الأبناء لا نسبة أب واحد إلى الأبناء، فكما أنّه يتحقّق بفرد واحد منه و بصرف وجوده في الأمر فليتحقّق تركه أيضاً بصرف تركه و لو بترك فرد واحد مع أنّه ليس كذلك بل لا بدّ في النهي من ترك جمع أفراد الطبيعي. فمن أين نشأ هذا الفرق؟
و قد اجيب عن هذا السؤال بوجوه عديدة:
الوجه الأوّل: أنّ الفرق يرجع في الحقيقة إلى خصوصيّة الوجود و العدم فإنّ وجود الطبيعة يتحقّق بوجود فرد واحد، و أمّا عدمها فلا يتحقّق إلّا بترك الجميع.
و لكن يرد عليه: أنّ التحقيق كون العدم بديلًا للوجود فكما يتصوّر لوجود الطبيعة أفراد كثيرة كذلك يتصوّر لعدم الطبيعة اعدام كثيرة، فإنّ نسبة الطبيعي إلى أفراده نسبة الآباء إلى الأبناء كما مرّ آنفاً من دون فرق بين الوجود و العدم، فكما أنّ وجود زيد يكون عين وجود