أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٢ - الأمر الأوّل في اعتبار العلوّ أو الاستعلاء في هذا المعنى
الأمر الأوّل: في اعتبار العلوّ أو الاستعلاء في هذا المعنى
و الأقوال فيه خمسة: اعتبار العلوّ فقط، اعتبار الاستعلاء فقط، اعتبار العلوّ و الاستعلاء معاً، كفاية أحدهما، عدم اعتبار شيء منهما.
و تنبغي الإشارة أوّلًا إلى معنى العلوّ و الاستعلاء فنقول: أمّا العلوّ فهو أن يكون المتكلّم الآمر في مقام عالٍ إمّا ظاهريّاً كما في أوامر فرعون، أو معنويّاً كما في أوامر الأنبياء، و أمّا الاستعلاء فهو التكلّم عن مقام عالٍ، و الأمر أو النهي عن منصب عالٍ (و ليس بمعنى التجبّر و التكبّر) لا عن موضع شافع أو ناصح أو صديق سواء كان له مقام عالٍ خارجاً أو لم يكن، و لا يخفى أنّ أحدهما غير الآخر، فقد يأمر الإنسان عن موضع منصب عالٍ و ليس بعالٍ و بالعكس كما ورد في الحديث النبوي ٦ «قال: أ تأمرني به يا رسول اللَّه (أي أ تطلب منّي الصلح عن مقام منصب الولاية) قال: إنّما أنا شافع» هنا يكون فيه العلوّ (لعلوّ مقام النبي ٦ و مولويته) دون الاستعلاء.
إذا عرفت هذا فنقول: الحقّ أنّ كليهما مأخوذان في المعنى في بدو النظر بمقتضى التبادر أوّلًا: (و لذلك يقال لمن أمر من دون أن يكون له علوّ: ما شأنك حتّى تأمرني» أو «ما لك من حقّ الأمر بي» فيستحقّ التوبيخ و الملامة) و صحّة السلب.
ثانياً: فيقال: ليس هذا أمراً بل هو استدعاء كما وقع في الحديث المزبور.
لكن مع ذلك كلّه قد نشكّ في ذلك عند ما نلاحظ موارد استعمالات مادّة الأمر في القرآن الكريم فنحتمل حدوث هذين القيدين في الأزمنة الأخيرة و عدم وجودهما في عصر النزول و صدور الرّوايات (من باب أنّ الاطّراد من علامات الحقيقة).
فمثلًا في قوله تعالى: «يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ» [١] لا إشكال في عدم علوّ لأصحاب فرعون عليه، اللهمّ إلّا أن يحمل على المجاز، أو يؤوّل بأنّه لم يكن لفرعون علوّ و لا استعلاء حين صدور هذا القول بل كانا لملئه من باب أنّ الطواغيت إذا انهزموا أو وقعوا في شدّة و بلاء صاروا أذلّين و خاشعين فيرون الداني عالياً.
و هكذا في قوله تعالى: «قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» من باب أنّ
[١] سورة الشعراء: الآية ٣٥.