أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٤ - الجهة الاولى في حقيقة النهي و مدلول صيغته
النهي طلباً للترك، (و التعبير بأنّ عدم المفسدة بنفسه مصلحة تعبير تسامحي) كما أنّ الأمر بالصّلاة لا يكون لأجل مفسدة في ترك الصّلاة.
و استدلّ في تهذيب الاصول بوجه ثالث و هو «أنّ العدم و الترك من الامور الباطلة الوهمية لا يمكن أن يكون ذا مصلحة تتعلّق به اشتياق و إرادة أو بعث و تحريك، إذ البطلان المحض لا يترتّب عليه أثر حتّى يقع مورد التصديق بالفائدة، و قد عرفت أنّ ما هو المشهور من أنّ للاعدام المضافة حظّاً من الوجود ممّا لا أصل له إذ الوجود لملكاتها لا لاعدامها» [١].
و لكن الإنصاف أنّه مجرّد دقّة عقليّة، فإنّ العدم لو سلّمنا كونه بطلاناً محضاً بنظر فلسفي عقلي، إلّا أنّ الكلام في الأوامر و النواهي العرفيّة العقلائيّة، و لا يبعد أن يطلب مولى عرفي من عبده عدم شيء أو ينهاه عنه، كما أنّه كثيراً ما يتّفق أنّ الطبيب يطلب من المريض ترك أكل غذاء خاصّ أو ترك شرب مائع خاصّ كالماء البارد.
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ النهي من الإنشائيات لا الإخباريات حيث إنّه وضع لانشاء الزجر و ليس بمعنى «زجرت»، كما أنّ الأمر أيضاً وضع لانشاء البعث و ليس بمعنى «بعثت».
هذا- و قد وقع بين القائلين بأنّ معنى النهي طلب الترك نزاع معروف، و هو أنّه ما المراد من الترك؟ فهل هو عبارة عن «أن لا يفعل»، أو يكون بمعنى الكفّ ذهب المحقّق الخراساني و المحقّق النائيني رحمهما الله إلى الأوّل، و يمكن أن يستدلّ له بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّه هو المتبادر إلى الذهن.
الوجه الثاني: أنّ الترك أمر عدمي، و هو يحصل بمجرّد ترك الفعل، و التكليف بالكفّ تكليف بأمر وجودي زائد على مطلق الترك فيحتاج إلى مئونة زائدة من الدليل و هي مفقودة.
و القائلون بأنّ المراد من الترك هو الكفّ استدلّوا بأنّ مجرّد «أن لا يفعل» عدم خارج عن تحت القدرة و الاختيار فلا يمكن أن يتعلّق به البعث و الطلب، و الشاهد على ذلك أزليّة العدم بمعنى أنّه كان قبل أن يكون المكلّف موجوداً.
و اجيب عنه: بأنّه إذا كان وجود شيء تحت القدرة و الاختيار كان عدمه أيضاً كذلك لاستحالة الانفكاك بين وجود شيء و عدمه من هذه الجهة، فإنّ الجبر في جانب العدم يستلزم
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٣٧٢، طبع جماعة المدرّسين.