أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥١ - التنبيه الأوّل في الاضطرار إلى المحرّم
أمّا القول الأوّل: فبطلانه واضح بناءً على الامتناع، لأنّه تكليف بما لا يطاق، و أمّا بناءً على الجواز فكذلك لأنّ ما نحن فيه ليس من باب اجتماع الأمر و النهي لأنّ العنوان فيه واحد، و هو عنوان الغصب الذي تعلّق به الحرمة، و أمّا الخروج فإنّ وجوبه- لو سلّم- يكون من باب مقدّميته للكون في خارج المكان المغصوب، و قد مرّ في مبحث مقدّمة الواجب أنّ الواجب هو ذات المقدّمة و هو التصرّف في أرض الغير بالخروج (في ما نحن فيه) لا عنوانها.
أضف إلى ذلك عدم وجود مندوحة في المقام، و معه لا يمكن الزجر عن الغصب حين الخروج لأنّه تكليف بما لا يطاق أيضاً، و مجرّد كون الاضطرار بسوء الاختيار لا يوجب جواز هذا التكليف من جانب الشارع.
إن قلت: إنّ الاضطرار هنا مصداق للامتناع بالاختيار الذي لا ينافي الاختيار.
قلنا: أوّلًا: إنّ قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» جارية في خصوص الأفعال الاختياريّة للإنسان في مبحث الجبر و الاختيار في جواب القائلين بالجبر حيث قالوا: أنّ الإنسان مجبور في أفعاله لأنّها لا تخلو من أحد أمرين: فإمّا أن تكون علّتها التامّة في الخارج متحققة، أولًا: فإن تحقّقت يجب تحقّق الفعل المعلول و يصير الفعل واجب الوجود بالغير، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، و إذا وجب تحقّقه فلا معنى لكونه اختياريّاً لأنّ الاختيار هو حالة «إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل»، أي حالة الإمكان و التسوية بين الفعل و الترك لا الوجوب و الضرورة، و إن لم تتحقّق العلّة التامّة فلا يتحقّق الفعل وجوباً و ضرورة أيضاً، لأنّ الشيء ما لم تتحقّق علّته التامّة و ما لم يصل إلى حدّ الوجوب لا يمكن تحقّقه في الخارج، فالانسان دائماً إمّا مجبور على الفعل أو مجبور على الترك.
فإنّ القاعدة المزبورة تجري في الجواب عن هذا الاستدلال ببيان أنّ حاجة المعلول في تحقّقه في الخارج إلى تحقّق علّته التامّة لا تنافي الاختيار، لأنّ الجزء الأخير لها إنّما هو إرادة الإنسان، فبإرادته و اختياره الفعل أو الترك يجب الفعل أو الترك، فهذا الوجوب أو ذاك الامتناع يكون مقارناً للاختيار و بالاختيار، و هو لا ينافي الاختيار لإمكان تركه بترك إرادته بخلاف، ما نحن فيه لأنّ المفروض إنّه مضطرّ إليه فعلًا و لا يمكن له تركه.
ثانياً: لو سلّمنا جريانها في غير المقام المزبور إلّا أنّه لا يجري في ما نحن فيه أيضاً، لأنّ النهي هنا لا يمكن صدوره من جانب الشارع لأجل زجر المكلّف بل إنّه يصدر لأجل العقاب فقط،