أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٠ - الكلام في القضاء و القدر
الصّيام في شهر رمضان، و الحاصل أنّ صاحب الاستعداد القوي للصيام و كذا من يعيش في المناطق الباردة مثلًا يكون أقرب إلى طاعة اللَّه من غيره و بهذه المناسبة يعدّ أقرب إلى السعادة من غيره من دون أن يكون ذلك علّة تامّة للطاعة أو المعصية.
إن قلت: سلّمنا، و لكن أ ليس هذا الاختلاف بهذا المقدار مخالفاً للعدالة؟
قلنا: قد اجيب عن هذه الشبهة في لسان الرّوايات الواردة عن الأئمّة المعصومين : ببيان واضح و هو
«إنّ أفضل الأعمال أحمزها». [١]
و توضيحه: أنّ التفاوت هذا إنّما يستلزم عدم العدالة فيما إذا لم تلاحظ تلك الخصوصيّة الذاتيّة أو العرضيّة في ميزان الأعمال و ترتّب الثواب و العقاب مع أنّه لا ريب في دخلها في ميزان الأعمال، فيكون أفضل الأعمال أحمزها و تلاحظ النسبة الموجودة بين الاستعداد و العمل، فمن كان له استعداد أكثر و فرض أفضل للطاعة و العمل الصالح يطلب منه عمل أوفر و حصيلة أكثر، و من كان بعكس ذلك ولديه استعداد أشدّ للمعصية ينتظر منه عمل أقلّ و حصيلة أخفّ و لا ريب أنّ صلاة جار المسجد في المسجد لا تعادل في الفضيلة مع صلاة من يكون بعيداً منه، و عين هذا الكلام يجري في الاختلافات الذاتيّة و تفاوت الاستعدادات الخلقية.
الكلام في القضاء و القدر:
و حيث انتهى الكلام إلى مسألة الجبر و الاختيار ينبغي أن نتكلّم بكلام موجز عن مسألة القضاء و القدر التي هي من أهمّ المسائل كتاباً و سنّة و عقلًا لما بينهما من الصلة الوثيقة، و قد ورد الكلام في القضاء و القدر في الأخبار المأثورة عن أئمّتنا : [٢].
و لا بدّ قبل بيان المختار في أصل المسألة من تقديم امور:
الأمر الأوّل: في أنّه ما الفرق بين المسألتين: مسألة الجبر و الاختيار و مسألة القضاء و القدر؟
[١] بحارالأنوار، ج ٧٠، ص ١٩١.
[٢] راجع بحار الأنوار: ج ٥، فقد أورد فيه العلّامة المجلسي (رحمه الله) روايات المسائل الثلاثة: مسألة الجبر و الاختيار، و مسألة السعادة و الشقاوة و مسألة القضاء و القدر.