أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٠ - الأمر الخامس في مقدّمة الحرام
النهي بالمسبّب في ظاهر الخطاب فهو متعلّق بذات السبب في نفس الأمر لا محالة كما أنّه إذا تعلّق بالسبب فهو يتعلّق به بما أنّه معنون بمسبّبه فإذا كان الأمر بكلّ منهما أمراً بالآخر فلا معنى للاتّصاف بالوجوب الغيري» [١].
و لكنّه غير تامّ، لأنّ ذا المقدّمة في هذه الموارد أيضاً مقدور للمكلّف، فإنّ المقدور بالواسطة مقدور، فيمكن تعلّق الأمر أو النهي به حينئذٍ فإذا تعلّق النهي مع ذلك بالمقدّمة كان غيريّاً.
و إن شئت قلت: ملاك المبغوضيّة و الحرمة قائم بنفس المسبّب لا السبب.
الأمر الثاني: ما ذهب إليه في تهذيب الاصول من أنّ الحرام من مقدّمة الحرام بناءً على الملازمة إنّما هو الجزء الأخير إذا كانت أجزاء العلّة مترتّبة، أو الواحد من الأجزاء إذا كانت عرضيّة، لا أن تكون جميع المقدّمات محرّمة كما تجب جميع مقدّمات الواجب، و استدلّ لذلك بمساعدة الوجدان عليه و بأنّ «الزجر عن الفعل مستلزم للزجر عمّا يخرج الفعل من العدم إلى الوجود لا عن كلّ ما هو دخيل في تحقّقه لأنّ وجود سائر المقدّمات و عدمها سواء في بقاء المبغوض على عدمه، و المبغوض هو انتقاض العدم بالوجود، و ما هو سبب لذلك هو الجزء الأخير في المترتّبات، و في غيرها يكون المجموع كذلك و عدمه بعدم جزء منه» [٢].
أقول: إنّ الوجدان حاكم بأنّ المؤثّر في العدم و الناقض له هو جميع المقدّمات معاً لا خصوص الأخير منها، فإنّه من قبيل مصباح كهربائي يضاء بمائة زرّ مترتّبة، فإنّ سبب الإضاءة حينئذٍ جميع المائة و لكلّ واحد منها دخل في الإضاءة، فتكون معاً ناقضة للعدم و الظلمة لا خصوص الأخير منها، فلو كان إيقاد السراج هنا مبغوضاً للشارع المقدّس كان جميع ما هو مؤثّر في هذا الأمر أيضاً مبغوضاً له بالملازمة.
و إن شئت قلت: عدم بعض هذه الأجزاء الطوليّة أو العرضيّة و إن كان كافياً في انعدام مبغوض المولى و لكن جميعها مؤثّرة في إيجاد مبغوضه بحيث لا يكفي بعضها فيه، و حينئذٍ يسري البغض إليها جميعاً، و في الحقيقة ليس العدم مطلوباً بل الوجود مبغوض.
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٢١٩- ٢٢٠.
[٢] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٢٢٥- ٢٤٤، طبع مهر.