أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٣ - ٥- الكلام في الفرق بين الإنشاء و الإخبار
على ما هو المشهور بينهم بل المتسالم عليه من أنّ الجمل الخبريّة موضوعة لثبوت النسبة في الخارج أو عدم ثبوتها فيه، و إنّ الجمل الإنشائيّة موضوعة لايجاد المعنى في الخارج الذي يعبّر عنه بالوجود الإنشائي. و الصحيح أنّ الجملة الخبريّة موضوعة للدلالة على قصد الحكاية و الإخبار عن الثبوت أو النفي في الخارج، و لم توضع للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه و ذلك لسببين:
أحدهما: إنّها لا تدلّ و لو ظنّاً على ثبوت النسبة أو عدمه مع قطع النظر عن حال المخبر (من حيث الوثاقة) و عن القرائن الخارجيّة مع أنّ دلالة اللفظ لا تنفكّ عن مدلوله الوضعي بقانون الوضع و إلّا لم يبق للوضع فائدة، فإذا فرضنا أنّ الجملة بما هي هي لا تدلّ على تحقّق النسبة في الواقع و لا كاشفية لها عنه أصلًا و لو ظنّاً، فما معنى كون الهيئة موضوعاً لها؟ بل يصبح ذلك لغواً فلا يصدر من الواضع الحكيم.
ثانيهما: إنّ الوضع عبارة عن التعهّد و الالتزام النفساني، و من الواضح أنّ التعهّد و الالتزام لا يتعلّقان إلّا بالفعل الاختياري، إذ لا معنى للتعهّد بالإضافة إلى أمر غير اختياري، و بما أنّ ثبوت النسبة أو نفيها في الواقع خارج عن الاختيار فلا يعقل تعلّق الالتزام، به فالذي يمكن أن يتعلّق الالتزام به هو إبراز قصد الحكاية في الإخبار.
و النتيجة: أنّ الجملة الخبريّة وضعت لإبراز قصد الحكاية و الإخبار عن الواقع و نفس الأمر.
و أمّا الجملة الإنشائيّة فهي موضوعة لإبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية، و لم توضع لايجاد المعنى في الخارج، و الوجه في ذلك هو إنّهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني فبطلانه من الضروريات. و إن أرادوا به الإيجاد الاعتباري كإيجاد الوجوب و الحرمة أو الملكيّة و الزوجيّة و غير ذلك، فيردّه إنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ و التكلّم به. نعم اللفظ مبرز له في الخارج لا إنّه موجد له.
و من هنا يعلم إنّه لا فرق بينها و بين الجملة الخبريّة في الدلالة الوضعيّة و الإبراز الخارجي:
و إنّما الفرق بينهما في ما يتعلّق به الإبراز، فإنّه في الجملة الإنشائيّة أمر نفساني لا تعلّق له بالخارج، و لذا لا يتّصف بالصدق أو الكذب، بل يتّصف بالوجود أو العدم، و في الجملة الخبريّة