أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٣ - الجهة الاولى ما هي موضوعيّة مقدمة الواجب
و الإنصاف أنّ هذه النزاعات و التطويلات قد نشأت من عدم التفكيك بين المسألة الاصوليّة و المسألة الفقهيّة و بين القاعدة الفقهيّة، فإنّ المسألة من القواعد الفقهيّة و ليست من المسائل الاصوليّة و لا من المسائل الفقهيّة، و سرّه يظهر بملاحظة ما ذكرنا في أوّل الاصول من معيار كون المسألة اصوليّة أو فقهيّة أو قاعدة فقهيّة، فقد مرّ هناك: أنّ المسألة الاصوليّة هي القواعد التي لا تشمل على حكم شرعي بل تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي أو الوظيفة العمليّة، و إنّ المسألة الفقهيّة هي التي تبحث عن نفس الأحكام الفرعيّة الخاصّة و التكاليف الجزئيّة العمليّة في كلّ باب باب من أبواب الفقه المعدّة لعمل المقلّدين، و أمّا القاعدة الفقهيّة فهي عبارة عن الأحكام الكلّية الفرعيّة التي تجري في جميع أبواب الفقه أو في أبواب عديدة من الفقه، و لا يمكن تفويض أمر تطبيقها على مصاديقها إلى المقلّدين مثل قاعدة «لا تعاد» التي تجري في جميع أبواب الصّلاة، و قاعدة «لا حرج» التي تكون جارية في جميع أبواب الفقه، فكلّ واحدة منهما تسمّى قاعدة لكونها كلّية، و فقهيّة لكون الحكم فيها حكماً من الأحكام الفرعيّة الشرعيّة (و المراد من الحكم هو الأعمّ من عقده الإثباتي و النفي فيشمل حتّى مثل مفاد قاعدة لا حرج الذي هو عبارة عن نفي الحكم لا الحكم نفسه).
فظهر أنّ مسألة وجوب المقدّمة من القواعد الفقهيّة لأنّها حكم فرعي كلّي حتّى بناءً على عنوانها الآخر و هو ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته و عدمه، لأنّ لازم وجود الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدّمته إنّ المقدّمة واجبة بوجوب ذيها، و على هذا لا يمكن تفويض أمر تطبيقها على مصاديقها إلى المقلّدين، فإنّه يحتاج إلى دقّة و نظر و إحاطة بأُمور لا يقدر عليها المقلّد، كما في سائر القواعد الفقهيّة: فقد يكون وجوب المقدّمة معارضاً لحرمة ذاتيّة لا بدّ من ملاحظة الأرجح منهما كما في الدخول في الأرض المغصوبة لنجاة الغريق، و قد يكون وجوب ذي المقدّمة مشروطاً إلى غير ذلك ممّا لا يسع المقلّد تشخيصها.
كما ظهر إلى هنا أنّه لا وجه لتغيير عنوان ذكره الأقدمون للمسألة إلى عنوان آخر، و المسألة ليست لفظيّة كذلك، فذكرها في باب الألفاظ استطرادي كما أنّ ذكرها في علم الاصول مطلقاً كذلك.