أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢٧ - الأمر الأوّل ذهب بعض الأعلام تبعاً لُاستاذه المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى اختلاف الإرادة و الطلب ببيان آخر يقرب ممّا مرّ،
و أمّا القائلون باتّحادهما فاستدلّوا لها بوجوه:
أحسنها التمسّك بالوجدان حيث إنّا إذا راجعنا إلى أنفسها لا نجد أمرين: أحدهما: الطلب، و الثاني: الإرادة، بل الإرادة من الغير إنّما هي البعث نحو العمل و تسمّى طلباً أيضاً، هذا في الإنشائيات، و كذلك في الإخباريات فلا نجد في أنفسنا شيئين: أحدهما: العلم، و الثاني: الكلام النفسي، بل الموجود في النفس شيء واحد، تارةً يسمّى بالعلم (و هو التصوّر و التصديق) و اخرى يسمّى بالكلام النفسي.
هذا بالنسبة إلى أنفسنا، و كذلك بالنسبة إلى الباري تعالى، فإنّا بوجداننا لا نتصوّر ما وراء علمه و قدرته شيئاً يسمّى بالكلام النفسي حتّى نصدّقه، و التصديق فرع التصوّر و كذلك لا نتصوّر وراء الإرادة (و إرادته عين علمه) شيئاً باسم الطلب النفساني، و إذا لم يمكن تصوّره لم يمكن تصديقه، و هذا أمر ظاهر لا سترة عليه.
بقي هنا أمران:
الأمر الأوّل: ذهب بعض الأعلام تبعاً لُاستاذه المحقّق النائيني (رحمه الله) إلى اختلاف الإرادة و الطلب ببيان آخر يقرب ممّا مرّ،
و هو أنّ الإرادة بواقعها الموضوعي من الصفات النفسانيّة، و من مقولة الكيف القائم بالنفس، و أمّا الطلب فهو من الأفعال الاختياريّة الصادرة عن الإنسان بالإرادة و الاختيار حيث إنّه عبارة عن التصدّي نحو تحصيل شيء في الخارج، و من هنا لا يقال: طالب الضالّة أو طالب العلم إلّا لمن تصدّى خارجاً لتحصيلهما.
و بكلمة اخرى: أنّ الطلب عنوان للفعل سواء أ كان الفعل نفسانياً أم خارجياً، فلا يصدق على مجرّد الشوق و الإرادة النفسانيّة.
و يظهر ذلك بوضوح من مثل قولنا: «طلبت زيداً فما وجدته» أو «طلبت من فلان كتاباً مثلًا فلم يعطني» و هكذا، ضرورة أنّ الطلب في أمثال ذلك عنوان للفعل الخارجي و ليس إخباراً عن الإرادة و الشوق النفساني فحسب من دون الفرق بين أن يكون متعلّقاً بفعل نفس