أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٧ - الأصل العملي في المقام
توصّلي لا يعتبر فيه ذلك، فما لم يؤت به بقصد القربة لم يعلم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم تعلّقه به، فإذا لم يؤت به كذلك و قد صادف كونه تعبّديّاً يعتبر فيه قصد القربة فلا يكون العقاب حينئذ عقاباً بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان.
و ببيان آخر: إنّ مردّ الشكّ في التعبّديّة و التوصّليّة إلى الشكّ في حصول الغرض من المأمور به بدون قصد القربة و عدمه، و حيث إنّ تحصيل غرض المولى أيضاً لازم بحكم العقل كإتيان المأمور به فلا بدّ أن يقصد القربة حتّى يتيقّن بتحصيل الغرض و سقوط ما وجب عليه و الخروج عن عهدة ما اشتغلت ذمّته به.
و هذا نظير الشكّ في وجوب قصد الوجه و التمييز، فإنّه إذا شكّ في اعتبار قصد الوجه و التمييز في العبادات و شكّ في دخلهما في الطاعة و الغرض من المأمور به فلا مجال إلّا لأصالة الاشتغال، نعم يمكن التخلّص عن الاحتياط و جريان أصالة الاشتغال فيهما بأنّهما ممّا يغفل عنه عامّة الناس و لا يلتفت إليه إلّا الأوحدي منهم، و في مثله كان على الآمر بيان دخله في غرضه فحيث لم يبيّن يقطع بعدم دخله فيه، فلا يجب الاحتياط حينئذٍ (و أمّا قصد القربة فليس بهذه المنزلة).
و استدلّ لعدم جريان البراءة الشرعيّة بأنّه لا بدّ في جريان أدلّة البراءة الشرعيّة كحديث الرفع و أخواته من شيء قابل للرفع و الوضع، و ما نحن فيه ليس كذلك حيث إنّ دخل قصد القربة و نحوها في الغرض ليس بشرعي بل واقعي فلا يقبل الرفع.
إن قلت: إنّ دخل الجزء و الشرط أيضاً واقعي، فكيف يرفع بحديث الرفع و نحوه في باب الأقلّ و الأكثر الارتباطيين؟
قلنا: إنّ دخلهما و إن كان واقعياً إلّا أنّهما قابلان للرفع، فبدليل الرفع يكشف أنّه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه المشكوك حتّى يجب الخروج عن عهدته عقلًا، بخلاف المقام فإنّه علم فيه بثبوت الأمر الفعلي. (انتهى ملخّص كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله) و من تبعه في الاستدلال على أنّ الأصل هو الاشتغال).
أقول: فيه مواقع للنظر:
الموقع الأوّل: للاشكال في المبنى، فقد مرّ إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلّق بطرقه الثلاثة.
الموقع الثاني: (و هو العمدة) أنّه لا دليل على وجوب تحصيل غرض المولى، بل على العبد