أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٥ - هل الأصل في الأوامر هو التعبّديّة أو لا؟
المقدّر الصحّة، أي إنّما صحّة الأعمال بالنيّات، و احتمال أن يكون المقدّر الأجر و الثواب، أي إنّما أجر الأعمال بالنيّات، فعلى الأوّل يثبت مطلوب الخصم أي اعتبار قصد القربة في جميع الأعمال كما لا يخفى، و أمّا على الثاني فيكون معنى الرّواية أنّ ترتّب الثواب على الأعمال مشروط بقصد القربة فإزالة النجاسة عن المسجد يترتّب عليها الثواب إذا تحقّقت بنيّة القربة لا أنّ صحّتها تتوقّف عليها، و أين هذا من تعبّديّة جميع الأعمال؟ و هذا الاحتمال الثاني هو المتعيّن في تفسير الرّواية بقرينة ما ورد في ذيل الرّواية الثانيّة من قوله ٧:
«و لكلّ امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند اللَّه فقد وقع أجره على اللَّه عزّ و جلّ و من غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالًا لم يكن له إلّا ما نوى»،
و الرّوايات يفسّر بعضها بعضاً.
و بعبارة اخرى: إنّ النزاع في ما نحن فيه إنّما هو في العبادة بالمعنى الأخصّ أي ما يشترط قصد القربة في صحّة العمل لا العبادة بالمعنى الأعمّ أي ما يعتبر في ترتّب الثواب عليه قصد القربة، و لا إشكال في أنّ الجهاد من القسم الثاني، فلو كانت الرّواية في مقام اعتبار قصد القربة في جميع الأعمال لزم خروج مورد الرّواية عنها.
و يشهد لهذا التفسير للرواية أيضاً
ما رواه أبو عروة السلمي عن أبي عبد الله ٧ قال: «إنّ اللَّه يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة»
. [١]
و ما رواه أبو ذرّ عن رسول اللَّه ٦ في وصيّة له قال يا أبا ذر: «ليكن لك في كلّ شيء نيّة حتّى في النوم و الأكل»
. [٢]
و ثانياً: ما مرّ في الجواب عن الدليل الثاني من قضيّة التخصيص بالأكثر كما لا يخفى.
فقد تلخّص من جميع ذلك عدم تماميّة جميع الوجوه التي استدلّ بها للقول الثاني.
و أمّا القول الثالث: و هو ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) من عدم وجود أصل لفظي في المقام فاستدلّ له بما حاصله «إنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة فيتصوّر الإطلاق فيما يتصوّر التقييد فيه، و حيث إنّ التقييد ممتنع هنا يكون الإطلاق أيضاً ممتنعاً، فيكون الحقّ حينئذٍ هو الإهمال و عدم الإطلاق مطلقاً، و وجه كون الإطلاق من قبيل عدم الملكة لا العدم المطلق أنّ الإطلاق و إن كان عدمياً إلّا أنّه موقوف على ورود الحكم على
[١] وسائل الشيعة: الباب ٥ من أبواب مقدّمة العبادات، ح ٥.
[٢] المصدر السابق: ح ٨.