أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٢ - الأمر الثاني في ترتّب الثواب على الواجب الغيري و عدمه
وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» [١] ظاهر في هذا المعنى أيضاً فإنّ الأجر و الفضل إذا اجتمعا افترقا.
هذا- و لكن الإنصاف أنّ الاستحقاق هنا ليس من قبيل استحقاق العامل الأجير لُاجرة عمله، فإنّ المكلّفين هم العبيد و اللَّه تعالى هو المولى، و من المعلوم أنّه يجب على العبيد اطاعة مواليهم لحقّ المولويّة و الطاعة، فإنّ العبد بجميع شئونه و أمواله ملك للمولى، فلا اختيار له في مقابله حتّى يطلب منه شيئاً بإزاء عمله بل أن الوجود كلّه هو من ساحته و يفاض على الموجودات آنفاً فآناً.
هذا- مضافاً إلى أنّ التكاليف الشرعيّة الصادرة من جانب المولى الحقيقي مشتملة على مصالح ترجع إلى العباد أنفسهم، فهي بحسب الحقيقة منّة من جانبه تعالى عليهم فكيف يستحقّون بإطاعاتهم و امتثالهم الأجر و الاجرة؟ و كيف يستحقّ المريض أجراً من الطبيب بإزاء عمله بأوامر الطبيب؟ (و لعلّ هذا هو مراد المفيد (رحمه الله) و أمثاله حيث ذهبوا إلى أنّه من باب التفضّل لا الاستحقاق) بل الاستحقاق هنا بمعنى اللياقة لقبول التفضّل من جانب الباري تعالى، أي أنّ من كان مطيعاً كان إنساناً كاملًا، و الإنسان الكامل يليق بإنعام اللَّه تعالى و تفضّله عليه بمقتضى حكمة الباري فإنّ التسوية بين المطيع و العاصي و المؤمن و الفاسق مخالف للحكمة.
و بعبارة اخرى: الاستحقاق للُاجرة و الاستعداد لها (بحيث يعدّ عدم اعطائها ظلماً) شيء، و اللياقة للتفضّل شيء آخر، و الاستحقاق في ما نحن فيه بالمعنى الثاني لا الأوّل، فلا يعدّ ترك الثواب حينئذٍ من مصاديق الظلم، نعم أنّه ينافي حكمه الباري الحكيم لأنّ لازمه التسوية بين المطيع و العاصي.
و بهذا يظهر أنّ الاستحقاق في المقام لا ينافي التفضّل بل أنّه بحسب الحقيقة من مصاديقه.
نعم، قد يجتمع مع تفضّل أكثر يعبّر عنه في لسان الآيات بالفضل كما يعبّر عن الأوّل بالأجر، و يدلّ عليه قوله تعالى: «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» (و قد مرّ آنفاً) و اختلاف التعبير ناظر إلى اختلاف مراتب الفضل فحسب، فالتعبير بالأجر مخصوص بمرتبة من التفضّل يعطى على أساس الكسب و العمل و لياقة اكتسبها العبد بالطاعة و ترك المعصية،
[١] سورة فاطر: الآية ٣٠.